إن فهم الظواهر التاريخية وحركية المجتمعات وسقوطها، لم يتم عن دراسة موضوعية و درايةعلمية منهجية فيما قبل ابن خلدون، اللهم إلا بعض الاجتهادات الفلسفية الملتصقة برؤى ميتافيزيقية، أو نظرة أسطورية للأحداث، لم تكن كافية لتفسير حركة وتطور المجتمعات، وهذا ما كان شائعا مثلا في الحضارات الشرقية، وفي عمق الحضارة اليونانية، وقد كانت عبارة عن ملاحم سردية غير منطقية خاضعة لأهواء سلطانية، أو نزوعات ذاتية محضة.
ولكن ابن خلدون هذا العالم الاجتماعي وفيلسوف التاريخ عكف على إخضاع الظواهر التاريخية إلى آليات اختبارية للتمكن من إظهار العلل والأسباب الكامنة في سقوط الحضارات وانهيارها، وماهي آليات التطور والتغير والتبلور؟
إن ابن خلدون اعتمد على منهج محكم لتفسير تطور المجتمعات واستند على فهم جديد بعيدا عن التفسيرات الذاتية، وإنما بواسطة الطرائق العلمية الاستقرائية، وتعد مقدمته فتحا جديدا في النظر للحضارة والتاريخ، وكان تفسيره لجدلية الصعود والسقوط مرتبطة بالمتابعات المنهجية التى مكنته من الخروج بنتائج موضوعية
فتطور الاجتماع ومرحلة بناء الحضارة خاضعا في رأيه للعصبية في التجمع وممارسة التسلط، ثم النزوع للغزو وإخضاع الآخر، فيشتد عضد الدولة نتيجة هذه الروابط العصبية والحمية القبلية، والتي تشكل حافزا هائلا في تشكيل البنية القوية للمجتمع.
وإذا كانت هذه مرحلة البناء فهناك مرحلة التمدد والبروز والسطوة والشدة بحيث يحدث التمكن والاستقرار والتطور، حتى يصل المجتع إلى قمة الهرم، لتأتي مرحلة الانهيار ويكون ذلك نتيجة نزوع المجتمع للتراخي و والانغماس في الملذات ونسيان البطولات ، ليولد الفراغ ، فيركن الجميع إلى الترف وتحقيق أكبر قدر من المتع الفانية ،فيحدث التفسخ والانحلال، وتستولي الأمراض والعلل والآفات، مما يؤدي إلى السقوط المدوي.
إن التفسير الخلدوني لتتابع الحركية التاريخية يخضع إلى المرجعية الواقعية، والشواهد تثبت رؤيته للأحداث
فنحن نشاهد كيف تبدأ الأمم من القاع ثم تكبر وتتقوى وتشتد وتتسلط ثم تتهاوى وتنهار، كالحضارة اليونانية والحضارة الرومانية وحضارتنا الإسلامية، التي اعتمدها ابن خلدون كمثال، فقد تشكلت الحضارة الاسلامية بفضل نور الاسلام ، ومرت بظروف مريرة وصعبة، ثم تشكلت المرجعيات الجديدة ، واعقبتها مرحلة التحكم فكان الفتح العظيم ، وبلغت الآفاق، ثم استكان القوم ، وضعفت الروح فانهار الصرح وسقطت الحضارة.
لقد أثرت هذه الفكرة في بلورة تفكير علماء الغرب ، الذين سطروا نفس الأفكار، نأخذ مثلا المفكر الانجليزي أرنولد توينبي الذي تتبع حركية حضارات عدة تعاقبت في التاريخ ،في كتابه المشهور مختصر التاريخ، وبالخصوص لما يتكلم عن الحلقات الثلاثية التي تدور وفقها الحضارة، والتي تؤول في الأخير إلى السقوط الحتمي.
وقد تفطن لهذه المسألة المفكر الألماني شبنجلر في كتابه سقوط الحضارة حيث أشار ٱلى أن الحضارة تولد ثم تكبر ثم تموت وقد شبهها بحياة الٱنسان البيولوجية، وحركة نسيج الخلايا.
ومهما يكن فإن قصة السقوط تعتبر انتكاسة حقيقية للمجهودات الجبارة للسلف
إن الوعي بالملابسات والمعطيات قد تحيلنا ٱلى فكرة النهوض من جديد
منذ سقوط الأندلس في 1492 ونحن في انحدار شامل وكل إرادة في تحريك عجلة النهوض تعقبها انتكاسة
فمتى يشتد عود البناء?
- فكرة السقوط
- التعليقات