الزمان، 1980.
المكان، آسفي.
مدينة مغربية مطلة على المحيط، يقضم البحر أطرافها ويمتزج فيها البؤس والبساطة والجمال بشكل غريب.
ضباب فوسفوري أزرق، تهب ريح من جهة البحر، تحمله، يجثم على المدينة ويكتم أنفاسها.
الناس أيضا يتنفسون بصعوبة، فالبلد ما تزال ترزح على تحت التأثير النفسي لسنوات الرصاص.
لسنوات طويلة كانت (فنيدة) جزءا من المشهد الإنساني للمدينة القديمة، مشردة وبدون مأوى، هي سيدة متوسطة الطول، ممتلئة، بيضاء البشرة، وجه جميل ومشرق، ملامح رفيعة كأنما رسمت عنوة، عينان واسعتان مع بريق أخاذ يختزل تاريخ جمالها الذي يرفض الإنمحاء.
تقول الحكايات إنها عاشت حياة مجيدة أيام العز، عندما كانت جزءا من حريم القايد (عيسى بنعمرالعبدي)، أيامها كانت للجمال سلطة وحرمة قبل أن تدور الأيام دورتها ويبهدله الأجلاف (العروبية الشمايت)، التعبير الذي تستعمله (فنيدة) عندما تشعر بالغضب.
فقدت (فنيدة) توازنها الداخلي بفعل الحسد والحقد والغيرة وكيد النساء، قست عليها الحياة، ولكنها احتفظت دوما بروحها الشفافة في مدينة فقدت روحها من زمان…
كانت مسارات يومها مرسومة بدقة، تستيقظ متأخرة، تقطع شوارع المدينة في خطوات متكاسلة، تقف أمام السقاية عند البوابة الكبيرة، تضع ملايتها جانبا، وتخرج عدة تبرجها المحفوظة بعناية، قطعة صابون معطرة، مشط، محكة حجرية، مرآة دائرية صغيرة…
ينساب الماء من الحنفية بسخاء، وتنخرط هي في طقوس اغتسال تمتد لساعات…
تتبرج، تعيد شد ضفائرها، تعدل هيئتها، تمرر أناملها المبللة على فساتينها المزركشة، وتهتم بالتفاصيل الأخيرة بشكل ينم عن ذوق وخلفية مترفة.
كانت تتردد على عيادة (الدكتور الحلو) بانتظام مرة أو مرتين في الأسبوع، وكانت الممرضات يتضايقن من زياراتها الصباحية بحجة أنها تزعج الزبناء-المرضى، وأنها تكسر نظام العمل…
كانت لها دائما حجتها لزيارة الطبيب، خدش بسيط في اليد، آلام في أعلى الركبة، وجع خفيف في أسفل العنق…
كانت تختار نقط الألم بعناية، كانت تلك طريقتها في الإغراء والكشف عن مفاتنها.
وبالمقابل كان الطبيب من طينة خاصة من البشر، رجل مديني من أصول أرستقراطية، مثقف، ذو حس إنساني رفيع، شخص يقطر رقة وحساسية، كان يغادر مكتبه بمجرد سماع صوتها واحتجاج الممرضات، يستقبلها مرحبا، يكشف عنها، يطهر جروحها، ويودعها مبتسما.
تنصرف، تغادر العيادة وهي في قمة السعادة، تنظر جهة الزبناء، تلقي نظرة خاصة على الممرضات وكأنها تقول:
– أترون، إنه يحبني!!
كانت تحبه.
- فنيدة
- التعليقات