القصة القصيرة
سرد قصصي قصير نسبيًا يهدف إلى إحداث تأثير مفرد مهيمن ويمتلك عناصر الدراما. وفي أغلب الأحوال تركز القصة القصيرة على شخصية “واحدة” في موقف “واحد” في لحظة “واحدة”. وحتى إن لم تحقق فلا بد أن تكون الوحدة هي المبدأ الموجه لها.
وربما تكون الشخصية (مجموعة من الشخصيات) تقدم في مواجهة خلفية أو وضع، وتنغمس خلال الفعل الذهني أو الفيزيائي في موقف, وهذا الصراع الدرامي أي اصطدام قوى متضادة ماثل في قلب الكثير من القصص القصيرة الممتازة.
فالتوتر من العناصر البنائية للقصة القصيرة كما أن تكامل الانطباع من سمات تلقيها بالإضافة إلى أنها كثيرًا ما تعبر عن صوت منفرد لواحد من جماعة مغمورة.
ـ فذلك الجنس الأدبي يفترض تحرر الفرد العادي من رقبة التبعيات القديمة وظهوره كذات فردية مستقلة تعي حرياتها الباطنة في الشعور والتفكير، ولها خصائصها المميزة لفرديتها على الع.. من الأنماط النموذجية الجاهزة التي لعبت دور البطولة في السرد القصصي القديم.
ـ ويعتبر (إدجار ألن بو) من رواد القصة القصيرة الحديثة في الغرب . وقد ازدهر هذا اللون من الأدب، في أرجاء العالم المختلفة، طوال قرن مضى على أيدي ( موباسان و زولا و تورجنيف و تشيخوف و هاردي و ستيفنسن )، ومئات من فناني القصة القصيرة.
ـ وفي العالم العربي بلغت القصة القصيرة درجة عالية من النضج على أيدي يوسف إدريس في مصر، وزكريا تامر في سوريا ، ومحمد المر في دولة الإمارات.

عنـــاصــر القصـــــة

  • الفكرة والمغزى: وهو الهدف الذي يحاول الكاتب عرضه في القصة، أو هو الدرس والعبرة التي يريدنا منا تعلُّمه؛ لذلك يفضل قراءة القصة أكثر من مرة واستبعاد الأحكام المسبقة ، و”التركيز” على العلاقة بين الأشخاص والأحداث والأفكار المطروحة، “وربط كل ذلك بعنوان القصة” وأسماء الشخوص وطبقاتهم الاجتماعية.
  •  الحــدث: وهو مجموعة الأفعال والوقائع مرتبة ترتيبا سببياً، تدور حول موضوع عام، وتصور الشخصية وتكشف عن صراعها مع الشخصيات الأخرى … وتتحقق : وحدة “الحدث” عندما يجيب الكاتب على أربعة أسئلة هي : كيف? ومتى؟ وأين؟ ولماذا وقع الحدث ؟ .
    ويعرض الكاتب الحدث بوجهة نظر الراوي، وقد يكون بصيغة الأنا (السردي) . وقد لا يكون في القصة راوٍ ، وإنما يعتمد الحدث حينئذٍ على حوار الشخصيات والزمان والمكان وما ينتج عن ذلك من “صراع يطور الحدث” ويدفعه إلى الأمام. وربما يعتمد على الحديث الداخلي.
  •  العقدة أو الحبكة: وهي مجموعة من “الحوادث” مرتبطة زمنيا ، ومعيار الحبكة الممتازة هو وحدتها (البداية والوسط والنهاية) ولفهم الحبكة يمكن للقارئ أن يسأل نفسه الأسئلة التالية في كل مراحلها : ــ
    – ما الصراع الذي تدور حوله الحبكة ؟ أهو داخلي أم خارجي؟.
    – ما أهم “الحوادث” التي تشكل الحبكة ؟ وهل الحوادث مرتبة على نسق تاريخي أم نفسي؟
    – ما التغيرات الحاصلة بين “بداية” الحبكة و”نهايتها” ؟ وهل هي مقنعة أم مفتعلة؟ وحملت “العقدة” أصل الفكرة؟.
    – هل الحبكة متماسكة؟واستطاع المبدع أن يحل “العقدة” ؟.
    – هل يمكن شرح الحبكة بالاعتماد على عناصرها من عرض و(حدث صاعد وأزمة)، و(حدث نازل) و(خاتمة)؟.
  •  القصة والشخوص: يختار الكاتب شخوصه من الحياة عادة ، ويحرص على عرضها واضحة في الأبعاد التالية:
  1. البعد الجسمي : ويتمثل في صفات الجسم من طول وقصر وبدانة ونحافة وذكر أو أنثى وعيوبها ، وسنها.
  2. البعد الاجتماعي : ويتمثل في انتماء الشخصية إلى طبقة اجتماعية وفي نوع العمل الذي يقوم به وثقافته ونشاطه وكل ظروفه المؤثرة في حياته، ودينه وجنسيته وهواياته.
  3. ثالثا : البعد النفسي : ويكون في الاستعداد والسلوك من رغبات وآمال وعزيمة وفكر، ومزاج الشخصية من انفعال وهدوء وانطواء أو انبساط.
  • القصة والبيئة: تعد البيئة الوسط الطبيعي الذي تجري ضمنه الأحداث وتتحرك فيه الشخوص ضمن بيئة مكانية وزمانية تمارس وجودها.

وللقصة القصيرة أنماط أو أنـواع عديدة:

  • المـيثولوجـيا: هو المزج بين الأساطير و الزمن المعـاصر.
  • التسجيلية: هي قصص في إطارها المألوف الواقعى .. و لكن بإضافات إبداعية جديدة .. تضمن للكاتب الحرية و الوجدانية معــا.
  • الفانتازيا: هي أشرس أنواع القصة القصيرة. . فهو ذو طـابع متمرد .. متميز بالغربة و الضياع .. هو أسلوب ثوري على الأساليب التقليدية .. وخروج غير مألوف.
  • السيكولوجــية: قصص .. تطمح إلى تصوير الإنســان.. وأفكــاره الداخلية .

ومن هذه المقدمة الثابتة، والمنقولة عن متخصصين ؛ لتوطيد فن كتابة القصة القصيرة. وحتي تكون الإستفادة كاملة سأحوال تطبيق تلك القواعد والعناصر والأسس على قصتين قصيرتين لم يزل أصحابها يبدعان حتى اليوم وهما :
الأستاذ الأديب بدوي الدقادوسي مصري. والأستاذة الأديبة الدكتورة رفيعة بوذينة زعفران تونسية. وذلك من خلال قصتين .. الأولي غارقة في (التسجيلية) الواقعية ، والثانية غارقة في (الفانتازيا) ؛ وسنوضح الفرق بين النوعين في حينه. والقصتان تتناولان قضيتان مختلفتان؛ القصة الأولى بعنوان (الغريب). والثانية بعنوان (قلادة العازبات). محاولا وضعهما تحت مجهر التحليل الموضوعي لكى نصل معاً إلى الأسلوب الأمثل لفن كتابة القصة القصيرة. فعلى بركة الله نبدأ.

فمن أسس بناء القصة القصيرة “الفكرة” ومن الفكرة تشتق كل العناصر, وعلى رأسها (العنوان) ونلاحظ في القصة الأولى تخير الأديب بدوي الدقادوسي ؛ عنوانها (الغريب) عنوان انزياحاته محدودة, ويكاد يكون “كاشف” للقادم من السرد ، واختارت الأديبة الدكتورة رفيعة بوذينة زعفران .. عنوان القصة الثانية (قلادة العازبات) ويكاد يكون العنوان “كاشف” أيضاً, ومن هنا ومع قطعنا بحتمية العنوان , فلن نتوقف على “سيرورة” العنوان والحكم عليه بمجرد قرأته, ولكن يجب علينا البحث عن وظائفه داخل السرد لنخرج في نهاية القصة والعنوان قد انطبع داخلنا، ولابد أن يشمل مناحى القصة .. وهذا هو الدرس الأول. ثم نلج إلى متن القصتين نبحث عن الهدف الأسمى من الكتابة والمغزي, وهل استطاع كل منهما التوطيد لهذا , ومدى نجاحهما .

  • الفكرة والمغزي:
    نجد الأستاذ  بدوي الدقادوسي .. تخير “حدث” الغربة والتغريب الخارجى والداخلى العنصر الأساسي لفكرة قصته, وحدد شخصياته بدقة ؛ متخذ شخصية (البطل) الشخصية الرئيس, و
    أخذ دور الراوي فيها مما يزيد التوحد داخل القصة, وينقلها إلى النوع (التسجيلي) + شخصيات ثانوية (صاحب العمل في بلاد الغربة + الأم + زوج الأم) أربع شخصيات متوحدة في حدث واحد. ومن خلالهم تدور الأحداث والمفارقات في القصة .
    ونجد الدكتورة  رفيعة بوذينة زعفران .. تخيرت “حدث” إحدى العادات البالية في المجتمع الشرقي ؛ العنصر الأساسي لفكرة القصة , وحددت الشخصيات بعناية لتدور بينهم الأحداث, وقامت بدور الراوى و(البطل) + شخصيات ثانوية (الأم ـ العازية ـ ابن الجيران).
  •  الحــدث:
    وهو الأداة التي تفرق بين كاتب وأخر وتميزة عن غيره بما يملكه من مخزون لغوي, ومفردات , وتراكيب الجمل, والتأخير والتقديم في الأفعال, والذي يعرف بـ (السرد) القصصي, علاوة التركيز في رسم الشخصيات, وترتيب الأحداث ترتيبا مسببا, وتنامي الصراع والمفارقة, ولكى تثبت هذه المعلومة عند كل مبدع سنوضح تلك المهارة من خلال القصتين اللتين بين أيدينا على مستوى منطقة “البداية” لكل قصة وصولاً إلى منطقة “الوسط” التي تحمل “العقدة” راجياً اتساع الأفق, والتحلى بالصبر معي بغية الاستفادة الكاملة .
    نبدأ في خطين متوازين, وحتى لا يظن المتلقي أننا نقيم مقارنة بين القصتين .
    يبدأ الأديب  بدوي الدقادوسي … (الغريب)
    (( سلمني المعقب الجواز ممهورا بختم الخروج والعودة ، انطلقت للمطار ؛ ستكون مفاجأة أتلهف لمعرفة وقعها عليها‘ كم توسلت باكية ألا أتركها فأنا وحيدها ولكني كنت مصرا على خوض التجربة ، فودعتني ببكاء لم تبكه يوم جاءها خبر أبي .
    عامان في الغربة تعلمتُ فيهما كيف أمسح دمعة روحي بنفسي صهرني الألم حتى صرت أكتب شعرا وأنا الذي لم أقرأ ديوانا واحدا طيلة حياتي ، تعلمت أن المادة ليست المكسب الوحيد في الغربة ، هناك مكاسب لا نراها في مظاهر العائدين بل في لهفتهم وحزنهم ، الوجع في الغرباء لغة لا يعيها إلا من ذاق ، وكل غريب للغريب نسيب من يغترب يلقى أذى يُجري دمعه فيشيب .
    بذلت جهدا في عملي لو بذلت ربعه في وطني لصرت مليونيرا ، أنشأت وحدة تعاقدات مع شركات تأمين كبرى تحول المستوصف الصغير في ضاحية من ضواحي الدمام إلى مستشفى أهلي مشهور ، كلما طالبت الكفيل بزيادة في الراتب لا أحصل إلا على رد واحد” أبشر وما يصير في خاطرك إلا طيب” ,
    حين اطلعت على ميزانية الأعوام الماضية لفت نظري في خانة ” دائن ” مليونيّ ريال طرف إحدى شركات التأمين ، سألتُ صاحب العمل : لم لم تحصلوا هذا المبلغ إنه مستحق من سنين؟
    تألم قائلا حاولت بشتى الطرق وأخيرا استعوضتهم عند الله .
    ولو حصلت لك هذا المبلغ هل تكافئني ؟
    يا ليت وستكون مكافأتك مجزية ، بعد إسبوع من الشد والجذب أقنعت مدير شركة التأمين أننا نستطيع فتح صفحة جديدة وسنتعاقد معهم بعد أن صرنا مستشفى ضخم تسعى كل شركات التأمين للتعاقد معنا وستكسب ضعف هذا المبلغ أضعاف ، اتفقنا على أن يتم تسوية المبلغ مليون ونصف ، منحني الشيك ، أكاد أطير من الفرحة . ولم أطِق صبرا حتى العودة فأبلغت صاحب العمل ، أصابته هستيريا وظل يدعو لي: الله يعطيك ألف عافية ، تسلم الشيك وهو غير مصدق التفت ناحيتي شاكرا أخرج من حافظته مئتي ريال ، قلبتها مذهولا : ما هذا؟
    مكافأتك يا ولدي كما هو منصوص عليها في العقد !!!.
    المدهش أن هذا الرجل حين أحصّل له الملايين ويعطني مائة ريال يشعر أن المئة التي بيدي أكثر من الملايين التي في خزائنه!
    طلبت منه إنهاء عقدي وإعطائي تأشيرة خروج نهائي ولكنه قال بهدوء : سأفعل فيك معروفا وأعطيك تأشيرة خروج وعودة لأترك أمامك الباب مفتوحا ,كل الذين جاءوا من قبلك قالوا لن نعود ولكنهم عادوا .)) …
    ـ نلاحظ أن “الفكرة” مختمرة بعقل الكاتب, وربما تحك له جلدًا, فنجده يسترسل في السرد بجمل متلاحقة, على طبيعته, وبأسلوب بسيط وسهل, وكأن الأفكار تجرى على سن قلمه, ولا يبالى برسم الجمل المقعرة لغويا, والضاربة في أصلاب اللغة العربية الفصحى المهجورة, ونكتشف معه على “بداية” القصة, والشخوص والصراع الدائر بين تلك الأشخاص .. منسحبا من صلب (العنوان) ونحدد تلك الملامح في الأتي : ــ
    * شاب وحيد لأمه أمام غول البطالة في بلده قرر خوض تجربة السفر للغربة بحثا عن الرزق, بالرغم من توسلات والدتة الأرملة بعدم السفر , وتركها فريسة الوحدة .
    * يكشف لنا مرارة الغربة, وتحكم “صاحب العمل” فيه, ومص جهده لأخر نقطة ممكنة, ويصل إلى حقيقة مؤكدة أن المكسب المادى ليس المكسب الوحيد في الغربة, وما تعلمه يفوق هذا, ولو بذل ربع هذا الجهد في وطنه لصار مليونيرا.
    * ثم يعرض لنا بعض الدلائل على هذا بإسلوب متنامي يتسع له هذا الفرع من الأدب لينقل بعض النماذج أمام كل من يقدم على هذه التجربة , ونظرة صاحب رأس المال الدونية للعاملة عنده, ونظرة (البطل) لأصحاب رؤس الأموال .
    * ثم يركز على جزئية أساسية في “فكرته” تلخص قيمة إنسانية عالية ، وإن جاءت متباعدة، ولكنها توضح وحدة الموضوع.
    \\ سلمني المعقب الجواز ممهورا بختم الخروج والعودة \\ ــ ثم تممها بعد حين في سياق السرد ــ \\ سأفعل فيك معروفا وأعطيك تأشيرة خروج وعودة لأترك أمامك الباب مفتوحا ,كل الذين جاءوا من قبلك قالوا لن نعود ولكنهم عادوا \\ .
    و {المعقب} هنا تعنى : المراجع أو المدير ، أوصاحب العمل .
    * يغلبة الشوق للعودة إلى حضن أمه وبلاده.
    << وتبدأ الأديبة الدكتورة \ رفيعة بوذينة زعفران .. قصتها (قلادة العازبات) …
    ((أنت أيها الجار الغبي اتركني و شأني، لمَ تتلصص علىّ من ثقب الباب خلسة كلما خرجت إلى العمل وكلما عدتُ منه ..؟! وأنت أيتها الجارة العجوز ما همك إن تزوجتُ أو بقيت هكذا عزباء أعدُ الأنجمَ وأعانقُ وسادتى !!! ؟..لمَ تسألين أمي كل مطلع شمس وكل غروب ،إن تقدّم لخطبتي أحدهم أم لا ؟. لمَ تتصنعي التعاطف معي وتتظاهري بمحبتي أمامها ؟ تجلبين لها البخور الذي تعفنت رائحته من أضرحة الأولياء الصالحين، حيث عشش الحمام ونام الخرفان في غفلة من الراعي : جناح ذبابة وذيل فأر أبيض لا سواد فيه ولا اعوجاج ،كي تجعلهم أمي قلادة لي ، أضعها بجيدي وأحرص على أن لا تراها زميلاتي بالعمل . كثيرا ما أتظاهر أمامهن بالسعادة واللامبالاة ،ألوكُ علكتي مبتسمة كلما تحدثن عن الضغط النفسي وظلم الأزواج…)) .
    << ونجد “الكاتبة” تتحكم تماما في “الفكرة” التي تريد طرحها, وربما عايشتها بكل كيانها على مدى طويل قبل أن تجلس وتدونها ؛ لذا بدأت القص بأسلوب المكاشفة ؛ مع حرصها على الإحتفاظ بسر “الحبكة” لمَ تملكه من حنكة السرد, ومهارة بناء أسلوب الإدهاش والتشوق لخبرتها الطويلة في هذا الصدد, لذا نجد الجمل قاطعة ؛ تشير مباشرة لبيت الداء, وبسهولة نستطيع كشف “الأحداث” وتناميها, وكذا “الشخوص” والصراع الدائر في منحنيين أساسيين وهما :
    ـ اللصوصية على عورات النساء ؛ سواء من الرجال أو النساء .
    ـ التدخل في شؤون العازبات بحق, ودون حق, من خلال أمور الدجل والشعوذة .. بالقلائد والتمائم والأحجبة, والأعمال السفلية .
    عارضة “فكرتها” على مستوين …
    * مستوى نقدى لاذع للرجال, والمجتمع الذكوري .. لا يخلو من حلاوة السرد المتتابع والمتنامي .
    * ومستوى يتعرض لسرد وعرض أساليب التدخل في المنحنيين الأساسيين التى بنت عليهما “بداية” القصة.
  • العقدة أو الحبكة:
    وهذا العنصر الذي يمكننا من تحديد “نوع” القصة القصيرة, وتصنيفه حسب الأنواع والأنماط السابق ذكرها .
    < ـ نجد الأديب \ بدوي الدقادوسي .. بطريقة سرده الطبيعي الإنطباعي التلقائي , وتسلسل “الأحداث” التي تدفعه إلى الغوص بنا رغماً عنه, ويدخل بنا في وقائع جديدة لم يكن يتوقعها خاصة وهو من كان محددا منذ اللحظة الأولى أن تكون “العقدة” عند وصوله أرض المطار ويقرع باب بيته, ولحظة لقاءة بوالدته, لترفع عنه (صفة الغريب) .. وهذا الخط الدرامي ليس بغريب عن هذا الجنس من الأدب, ويخص نمط (القصة الواقعية) وهو نوع محبب عند بعض الكتاب, والتي تفرضه عليه “الحبكة” القصصية, وخاصة المبدعين الذين تحضر أفكارهم على سن القلم، ويسير , ويتعامل مع السرد كيفما يشاء …
    (( حطت الطائرة على أرض القاهرة وهبط معها قلبي ، هل تغيرت الوجوه أم أنا الذي تغيرت؟ هل اختلفت الأشياء أم أنا الذي اختلفت ؟ سائق التاكسي الذي يقلني من المطار لم يكف لحظة عن الكلام ، يسأل ويجيب ويسب هذا ويلعن ذاك ويطرح الحلول لكل القضايا .
    هل تكفي المسافة من المطار للبيت لأنفض عن روحي ما علق بها من شوائب الغربة حتى أعود لأمي كما ودعتها؟
    قرعي للباب تعيه مذ كنت بالحضانة ، فتح الباب رجل لم أره من قبل !! يا ربي هل ضللت الطريق عن بيت لو فقدت الذاكرة لن أضل عنه أبدا؟
    رفعتُ عيني لأتأكد ولكن ترحيب الرجل بي ونداؤه اسمي زادني ارتباكا ، جاءت بخطوات متثاقلة ، احتضنتني وكان طعم حضنها ليس بنكهة الشوق بل بنكهة الوجل .
    ادخل حبيبي حمدا لله على السلامة ، الأستاذ عبد الفتاح جوزي ،هربت للمطبخ لتعد الطعام احتفاء بعودة وحيدها وأنا مذهول : لم لم تخبرني بزواجها ؟ ومتى وأين ظهر هذا العبد الفتاح في حياتها ؟ جلست ضيفا في بيتي ، على المائدة حضرت الدهشة وغابت الشهية ، آويت لغرفتي ومازال يطاردني حزن وألف سؤال . جاءتني بالشاي :اشرب الشاي واسترح وغدا لنا ألف ساعة تحدثني عن كل لحظة عشتها بعيدا عن حضن أمك . لم تكمل جملتها حتى جاءها صوت الرجل فانتفضت مسرعة وهي تقول : حاضر)) .
    < وتلاحظون معي غلبة الواقع على الخيال الابداعى عند الكاتب وإتخاذه النوع التسجيلي (الواقعي) للقص .. فعندما نصل إلى “العقدة” نجد الواقع يصدمنها بنقطة “صراع” جديدة فنتوحد أكثر مع السارد, ونشفق عليه , ونمضى معه متشوقين لكشف أغور الصراع الجديد طالما محتفظ بوحدة الموضوع , ونلخص هذا المقطع في:
    * الغريب بالسفر ؛ من أجل لقمة العيش باختياره الحر .. صار غريباً تحت سقف بيت أبيه لما صنعته أمه .
    * الأرملة التى تغربت في بيتها بعد سفر وحيدها بحثت عن ما يؤنس وحدتها, وينتشلها من الغربة ؛ فقضدت على ذكرى زوجها الأول , ووحيدها فعاشت أيضاً في الغربة .
    * صدق حدس “المعقب” وقوله : سأفعل فيك معروفا وأعطيك تأشيرة خروج وعودة لأترك أمامك الباب مفتوحا , كل الذين جاءوا من قبلك قالوا لن نعود ولكنهم عادوا .
    << اما “العقدة والحبكة” عند الأديبة \ رفيعة بوذينة زعفران .. محددة منذ “البداية” لإختيارها عرض “فكرتها” بأسلوب ـ الفانتازيا ـ الذي يمثل أشرس أنواع القص حيث \البداية \ العقدة (الوسط) \ النهاية .. تكون معروفة لدى المبدع قبل الشروع في تدوين القصة …
    ((تُصدقُ أمي أنكِ طيبة وأنك حريصة على أن أفرح كأترابي فتملأ حجرك بيضا وفواكهَ وحين تقربان الباب تدّس في صدرك خلسة مبلغا ماليا تكون عادة قد وفّرته من مصروف البيت لتشتري لي بهِ زوجا بفضلكِ ، أو تكون سرقتهُ مثلا من جيب أبي اثر نومهِ .
    في البداية ،لا تقبلين بالهدية وتدفعين بيدها بعيدا متظاهرة بأنني ابنتك وأن فرحتك من فرحتي ،وفي أول زقاق مظلم يعترضكِ تُخرجين المبلغ تَعدينه على عجل ساخرة : أهذا ما أستحقهُ أيتها البلهاء ..؟!
    سمعتك الغيمة التي تشبهني حزنا و سوادا ،فأخبرتني بذلك ونصحتني برمْيِ القلادة في النهر ،علّني أتزوج .
    وقبل العودة إلى بيتك ،تمرين ببقية الجارات .
    عادة ما يكنّ في انتظاركِ لتنقلي لهن حزن أمي وآهاتها وبقايا )) .
    وهنا نلاحظ مقدرة “الكاتبة” على طرح تفاصيل “العقدة” من خلال السرد المعتمد على رصد النواحى النفسية لشخصيات القصة , والذي يصف دقائق الأمور, ويكشف لنا “الصراع” الدائر ضمنياً, فعقدة القصة تتمثل في التدخل المقزز في شؤون “العازبات” واستغلال الأمهات, وهن يضمرن أمور وأشياء أخري وهذا ما استطاعت “الأديبة” في رصده …
    \ تُصدقُ أمي أنكِ طيبة \ على أن أفرح كأترابي \ فتملأ حجرك بيضا وفواكهَ ..
    \ بينما تدّسين في صدرك مبلغا ماليا \ وفّرته من مصروف البيت \ أو سرقتهُ من جيب أبي اثر نومهِ \ لتشتري لي زوجا .
    \ في البداية لا تقبلين \ وفي أول زقاق مظلم تُخرجين المبلغ تَعدينه على عجل ساخرة : أهذا ما أستحقهُ أيتها البلهاء ..؟!
    * ثم تأتي بمقردات ” العقدة ”
    [سمعتك الغيمة التي تشبهني حزنا و سوادا، فأخبرتني بذلك ونصحتني برمْيِ القلادة في النهر، علّني أتزوج .]
    لتعلن رافضها لكل العادات والتقاليد البالية المنتشرة بالشرق .
    = القصة والشخوص : ــ
    <<< استطاع الكاتبان حسن اختيار الشخوص بالعدد النموذجى لمساحة القصة القصيرة , وتوظيفهم التوظيف الأمثل حسب وحدة كل قصة, وتوحدت الشخوص مع “الفكرة” وخدمتها في إبراز خصائصها المرجوة منها.
  • القصة والبيئة:
    <<< لقد جرت أحداث القصتان في بيئتين مختلفتين, وذلك لإختلاف النمط السردي (الحكى) , ومع هذا استطاع كل “كاتب” الحفاظ على الأحداث واللغة التي تناسب الشخصيات وتنامي الصراع , وتطور المواقف .
    = النهاية والنقطة التنويرية : ــ
    < على نفس النسق المتبع عند الأديب \ بدوي الدقادوسي .. جاء التأسيس لحل “العقدة” وصولاً إلى الخاتمة مطولة, وطبيعية لمفردات الوقائع, والمدفوع له “الكاتب” دفعاً ، وإن كنت أري في هذا المقطع بعض الإسهاب , وربما حرص عليها الكاتب لوصف تأثير العلاقة الغير متوقعة من الغريب تجاه أمه …
    ((فشل النوم في مغازلة عيني خرجت للصالة تمددت على الكنبة وباب غرفتها قبالتي تنبعث من تحت عقبيه تأوه مكتوم وضحكات وأصوات متقطعة والدم يغلي في عروقي .من هذا الحيوان الذي تبوأ فراش أبي ؟ وددت لو هاجمت الغرفة وألقيت به في الشارع ، الباب يُفتح ببطء متلصص إنها هي أعرف أنها ستنتظر لحظة نومه وتأتي ، ارتبكت حين رأتني بالصالة تصنعت النوم لأرفع عنها الخجل ، جلستْ بجوار رأسي مسحتْ شعري وهي تتفحصني : حمدا لله على سلامتك يا حبيبي
    الله يسلمك
    مالك متغير ؟
    لا شيء
    ابني حبيبي وأنا عرفاه ، أنت زعلان عشان أنا اتجوزت
    اعتدلتُ ، صوبتُ عيني كفوهة مسدس في وجهها . من هذا الحيوان الذي احتل مكان أبي وبيتي ؟
    زوجي على سنة الله ورسوله .
    زوجك ؟! بورقة تافهة يستبيح هذا الغريب شرفي وشرف أبي وينام على فراشه؟
    ولدي ! أنسيت من أنا ؟ ترملت في عز شبابي وحرصت على ألا أتزوج ولا أجرح مشاعرك ،انتظرت اليوم الذي تتخرج فيه وأستريح ؛ فقررت أنت السفر ضاربا بتوسلاتي عرض الحائط ، وكأنك صورة من أبيك الذي لم يجلس معي إلا أسبوع بعد الزفاف ثم عاود السفر للعراق ولم أكن أراه إلا أيام كل عام .
    ولكنك قبلتِ الزواج منه وأنت تعلمين أنه يسافر
    – ماتت أمي وتكفل جدك بتربيتنا أنا وخالتك كان فراشا بمدرسة ولكنه مثال للعظمة عجزه عن تجهيزنا جعله يوافق على أبيك لأنه مؤدب وقال لأبي أريدها بشنطة هدومها فقط .
    – تركت أبي يوم دخلتي وأنا ألمح في عينه دمعة كأنه دفنني . ظلت صورته تؤلمني طوال الليل ، حاولت أن أقنع أباك أني متعبة ولكنه أصر على نيل حقه في تلك الليلة فتركت له جسدي وقلبي مع أبي ؟وهل حكمت على أمك أن تعيش حياتها في انتظار عودة المسافر؟
    – هرعت لغرفتي ارتديت ملابسي ، حملت حقيبتي ، رمت بجسدها على باب الشقة تتوسل ألا أخرج ، أقصيت جسدها برفق والبكاء يغلبني : اعذريني يا أمي لا مكان لي بمصر .
    – اتجهت لمكتب السفريات سألته عن أول طائرة للدمام
    ناولني التذكرة استقليتُ تاكسي و اخترق بي زحام الطريق بصعوبة صوب المطار .
    كيف سيبيت بدوني هو وأختي ؟أليس من حقي الزواج بعد سفرك )).
    < وهنا نجد “الكاتب” دمج “العقدة” مع منحنى الحل حتى بلغ النهاية على نفس وتيرة السرد المدفوع بها فجاءت النهاية قلقة من قلق (البطل) وغربته التى فرضت عليه, وكذا قلق الأم من الغربة التي انفرضت عليها , وكأنه ينتصر (للنعوان) مكتفياً بما حملته القصة {موزعا} على مدى سردها من تعبيرات ومعانى غارقة في الإنسانية, ولكن كان عليه تجميع هذه العبارات والمعانى في المرحلة الختامية حتى لايقترب من جنس (السيناريو) الذي يحمل كل مشهد العناصر والأسس والقواعد مجتمعة كل على حدة .
    ولو نظرنا إلى النهاية والنقطة التنويرية في نص الأديبة الدكتورة \ رفيعة بوذينة زعفران .
    << لوجدنها قد أسست له منذ البدية …
    ((حلمها الذي تلاشى بعضه و سقط منكِ ما تبقى بالطريق
    ابن جارتنا هشام يكبرني بعشر سنوات ،هو أيضا لم يتزوج بعدُ ، وقد بلغ الباءة وتجاوزها بعشرة سنوات . لمَ لا يبلس قلادة جناح الذبابة هو ،ولا وذيل الفأر مثلي
    ولا تخجل أمه وهي بالطريق .؟! ..ولا يسألها أحد إن كان ينوي الزواج أو أنه لا يزال ينعم بحريته التي لا تنتهي .؟!.)) .
    << فتقيم “الكاتبة” مقارنة ليس الهدف منها إنتصار طرف على أخر, بل من أجل رصد واقع ببلادنا لأسباب عديدة, وهى كأنثي تثور عليه , وترى في ذلك نقطة تخلف بالمجتمع الشرقي من وجهة نظرها, وهذا لا غضاضة فيه, وهي بذلك تجعلها ” النقطة التنويرية” من قصتها , ولقد نجحت من خلال سردها المشوق ولغتها المعبرة طوال السرد, وتتابعة المتنامي, والمحافظة على وحدة الأشخاص, ووحدة الموضوع, وبخاصة التركيز والتكثيف .
    خالص تحياتي للجميع, وشكرى لكم جميعاً لتحملي تلك المدة, وأسف على الإطالة .. ولقد طبعت هذه الرؤية يمكن أخذ نسخة منها من رئيس الندوة لمن يريد.
    والله ولى التوفيق.

أضف تعليقاً