” مات الكتاب عندما هاجروه وتخلوا عن قراءته ..ويموت اذا تواصل العزوف عن القراءة..”
جَمَعَت كُتبَهُ ومَا ادّخَر مِنْ وثائقَ في أكيَاسٍ، ورَمَت بهَا أكداسًا في الْمَزْبَلة، سَألهَا بحُزْنٍ وألمٍ: لمَاذا اقدَمْتِ على هَذا الفعْل الشّنيع؟ تنْتفضُ في وَجْههِ، وترْفَعُ صوْتها مُوَلْوِلا: ماذَا تفْعَل بكتبٍ مَهْجُورَة في الرفوف؟ الوَحِيدُ المُستفيدُ مِنْهاهُمْ الجُرْذان..!اليْسَ كَذلك؟ يقول متألما غاضبا: ولمَاذا لمْ تضَعِيهَا في مَكْتبَةٍ عُمُوميّة يسْتنْفِعُ بهَا النّاسُ؟ تقول ساخرة: وهَل هُناكَ أنَاسٌ يقرؤُونَ؟ يجبها: ذلك سلوك حضاري أنْ يكون الكتاب في مُتنَاول الْقُرَّاء، تردُّ عليه: بصوت جهور، وبصَريح العِبَارةِ، لافائدَة من وجُودِ كُتب مُكدَّسَة فِي البيْت لاجدْوى منها ! أنْتَ هَرمْت لم يعد لك اهتمام بالكتب، وأبناؤك للأسَف لايقرؤُون، هُناك عُزُوفٌ عَن القرَاءَة، ألمْ تَر أنّ رُفوفَ الْمَكتبَات تعُجُّ بهَذا اللوْن مِنَ الكتُب يَعْلوهَا الغُبارُ..يُنكّسُ رأسَهُ ويلْتفِتُ إليْهَا مُقطبًا جَبينهُ، يَلتزمُ الصَّمْتَ بعْض الوَقْت، ولُغّة الصَّمْتِ لايَعْرفُهَا سِوَى الأذكيّاء والنّسَاء، يَقول مُتنهدًا مُتحَسِّرًا: ابناؤنا يُمزِّقون الكتبَ، يَحْرقُونَها، يرْمُون بَعْضَها فِي الْمُسْتنقعَات والشوارع، وانْتم مُتفرِّجُون، فهَذا الفِعْل السَيِّئ قام به المَغُول ذَاتَ تاريخ، لما حَرقوا مَكتبَات بغْداد ورمَوا بهَا فِي النَّهر، وقد فعَل أذْنابُ الاسْتعْمَار الفِعْل ذاته عَشيّة الاستقلال فاقدموا على حَرْق المَكتبَة الوَطنيّة..وها انت ذي تفعلين ذلك ببرودة دم، يا خيْبتَاهُ..! صَارَ ابْنَاؤُنا يَرْمُون كتُبَهم في الشَّوَارع، وصارَت الامّهَات تضيقُ بهَا ذرعًا، وتُفَضِّل الصُّحُون والأوَانِي عَلى الكتب، خيْر جَليس فِي ألأنَام، هل مَاتَ الكِتَابُ مرتين؟ وهل الكتّابُ والعُلمَاءُ لايعلمون؟ وأنْتِ يَاامْرَأة، سَامَحَكِ اللهُ سَاهَمْتِ فِي جَرِيمَةِ قتلٍ بشِعَة عَنْ سَابِق اصْرَارٍ وترَصُّدٍ. قالت: مَهْلا..وأنْت ايُّها ألمُرَبّي اهْمَلتَ الترْبيّة وتهاوَنْتَ،التزمت الصمت ولم يكن لك حضور،أسَأتَ إلى رسَاَلة المُربّي، لمْ يعُد التلميذُ مُهَتمًا بالقرَاءَةِ ولاَ المُعَلم، لم يَعُد ذلك المُربِّي الْجَادُ الذِي تسْتهْوِيه ألمُطالعَة ويُفكِّر بوَعْي فِي غرْس بُذُورِهَا وتعَهُدِ شَتائِلهَا .