لا يستطيع أحد مهما أوتي من الفصاحة و الذكاء أن يقنعني بأنّ نظرة هذا الحاجب بريئة تماما، فهو يزنني و يجدني خفيفا حسب معاييره التي وضعها بينه و بين نفسه ، فيتكلف الاحترام ، و لكن تبا له،فما هو إلا بوّاب يأتمر بأوامر سيده ، و لا يمكنه أن يأخذ معه الباب ليضطجع فوقه كسرير بعد انتهاء الدوام، و لا يملك إلا أن يشفي غليله مني بنظرة تحتمل ألف عاطفة ، لذلك لن أكون حساسا أكثر من اللازم ،و لن أشغل بالي به كثيرا ، و مادام قد رحب بي ، فسأتقبل منه كل شيء ، و سأواصل طريقي ، و سأبقى أنا الكبير كما كانت تقول لي أمي دائما عندما تأخذ مني اللعبة و تعطيها لأخي الصغير،ها هو عون الاستقبال يبتسم ابتسامته العرجاء ، لا يقول شيئا و إنما يكتفي بالانحناء و بسط يديه أمامي لأكمل الطريق ، كأنما يخبرني بأن المضمار أمامي ، يفعل معي ذلك و هو يعلم أنني أكره هذا النوع من الاستسخفاف ، الويل له ، هو في بداية الطريق ، و إن استجبت لاستفزازه فلن أتمكن من التقدم إلى الأمام ، بعده يقابلني مكتب فيه أربعة موظفين ، ألقي عليهم السلام فيقفون كأنهم في حالة استعداد ،فيدخلونني في حالة شديدة من التوتر ، لا أتكلم معهم و لا يتكلمون معي ، فالمهم دائما هو نظرتي لنفسي لا نظرة الآخرين ، فلن أتناول باحترامهم وجبة غدائي.. الآن أنا في مكتب رئيس المصلحة، ينهض من مقعده، و يرحّب بي بطريقة خيالية ، أبتسم في وجهه، و أنظر إليه نظرة عتاب على الأيام الخوالي التي كنت أنتظر فيها ببابه الساعات الطوال و لا يسمح لي بالدخول ، بل و لا يعبؤ بشأني تماما ، و يخرج و كأنه لم يرني ، مالذي غيّر سلوكه اتجاهي ؟ القضية فيها شيء غير طبيعي ، شياط مؤامرة ،حتى أنا لست سهلا كما يعتقدون و لا ساذجا ، أبادله بابتسامة ماكرة . ثم أمضي إلى الأمام فيقابلني موظفون يحييونني بحرارة شديدة و بسحنات تتنوّع ما بين البراءة و المكر، لا يمكنني أن أميّز بينها ، ربما كان بعضها بدون هوية ، أعرف أنني سأتعب كثير إذا انشغلت بتصنيفها ، لذلك فأنا أبادلهم التحية و أمضي إلى شأني ماداموا لا يستوقفونني، و لا يسألونني أين أذهب .. ها هم يرون أنني أتقدم إلى الأمام، و لا يجرؤون هذه المرة أن يسألوني أو يوقفوني .. وصلت الآن إلى الطابق الأعلى ، حيث نقص الموظفون ،و جدت أمين مكتب المدير العام، ابتسم في وجهي ابتسامة مستأجرة ، ثم قال لي :
ـ إنهم ينتظرونك منذ ساعة ..
ـ ماذا يريدون ؟
ـ ادخل فقط و ستعرف ..
فتحت الباب ، فإذا مجموعة من كبار موظفي الشركة يتحلّقون حول قطعة كبيرة من الحلوى و يغنون أغنية عيد الميلاد ، ينتبهون إلى دخولي ، فيصمتون باهتين ، يحملقون فيّ جيدا ..صمت رهيب يخيم في المكتب ، أرميهم بنظرة قاسية ، فينزلون وجوههم إلى الأرض ، يتقدم إليّ أكبرهم سنا، و ينتحي بي جانبا ، محاولا مخادعتي ، سأحاول أن أمنح له فرصة لتبرير كل هذا النفاق ، المؤكد أنه سيكشف لي عن المؤامرة التي بدأت من البوّاب، تركته يتكلّم، فقال :
ـ أعلم أنك نسيت أن اليوم هو عيد ميلادك ..
ـ آه ..فعلا نسيته..
ـ نحن لا ننسى أعياد ميلاد العظماء الذين ينيرون لنا دربنا ..
ـ أعلم ذلك ..أنتم مثال الوفاء ..
احتفلت معهم ، غنيت ، ورقصت باحتشام ، فهذه أول مرة أترك الحرية لجسمي ليرسم بعض الانحرافات و الحركات تحت مسمى الرقص ، أو هي محسوبة عليه غصبا ، ثم بعد ذلك و الأهم أكلت و شربت ، إلى أن خرجوا جميعا، و تركوني بمفردي منهكا في المكتب ، يمتد بصري إلى لافتة اسم المدير ، فأجد اسمي ، ما زالوا يسخرون مني سأنتقم منهم ، فالكتابة تبدو ساخرة سأنكّل بصاحب المطبعة ، قبل أن أخرج أراقب وجهي في المرآة فأجد تصفيفة شعري تسخر مني ، فأغضب غضبا شديدا و أتوعد الحلاق بالعقاب الشديد، أنزل بسرعة عبر السلم ، فأكاد أسقط ، فأصب جام غضبي على الذي بناه و بنى الشركة كلها ، أصل إلى زوجتي ، فتسألني :
ـ كيف وجدت اليوم الأول من رئاستك للشركة ؟
- فوبيا المرتفعات
- التعليقات
