لم تكن تصدق ناظريها ولا مسامعها، لم تكن تصدق ما يجري، لقد كانت تسمع عن ذلك من حكايا جدها وهي طفلة وكان الأمر أشبه بالضياع منتصف الليل في غابة كبيرة والتفاف الوحوش البرية حولها، كانت تقرأ عنه في صفحات كتب يميل لونها بين الأصفر والأحمر هذا الأخير كان المسيطر على الغلاف في معظمها ويبدو لها أنه ضرب من الخيال أن يحدث هذا محال، كانت ترى الأمر بالأبيض والأسود، صور متحركة صماء، ما كان يثير لديها حفيظة البكاء وهي في الخامسة والثلاثين من العمر ولها ابن ثمانية سنوات.
وتُفتح بوابة التاريخ لتحط كبسولة الزمن قادمة من عهد الحروب الصليبية حاملة معها مبادئ الفاشية وملامح عصر المماليك، نطقت الصور مشت الأسطر ورأت الحكايا على أرضع الواقع، أن ظهرت جرذان ضخمة، كائنات جوفاء…عمياء…عاثت في الأرض فسادا، قضمت الكتب، هشمت الأخلاق، شوهت الحياة، وتحولت جنة الله على الأرض إلى حقل من الجرذان.
كانت طيور الجنة من حولها تتساقط كالذباب، احتضنت صغيرها بقوة فهي لا تدري موعد الفراق، فكل يد تمتد لمساعدتهم تصفعهم ذات اليمين وذات الشمال، وبدل أن تُسمم الجرذان سُمم الإنسان، بدل أن تُقصف الجرذان قُصفت الجدران. وهي تلهث خوفا عليه مسحت بِطرف ثوبها بعض الرماد من على وجهه وهي تُردد عليك أن تنجو بني، لا ينبغي أن ينالوا مرادهم، سوف لن ينالوا شيئا، نجاتك ونجاة البقية تعني هلاكهم يوما ما …ولم يكن من حل سوى أن وجدت نفسها مشردة تطوف من مكان إلى مكان لعلها تنجو به.
جلس يئن وليس له مكان حتى ليجلس عليه، رمى نفسه بالتراب فليس له لباس غال يخاف عليه، لا يكد يبتلع ريقه من شدة الجوع والعطش، سأل أمه مستغربا:
هل سيضيع حقنا؟.
(ردت بأسى) إذا لم نسمح لن يضيع…
وإن سمحنا، أين يذهب حقنا؟.
إلى العلي القدير.
وإن أخذنا حقنا، أين يذهب السماح؟.
إلى العلي القدير أيضا طالما ليس هناك ضمير…
وما الضمير أمي؟.
بني، إنه كالهواء الكل يسمع عنه ولا أحد يراه…إنه كقطرة ماء نال منها التبخر…هو جوهرة ثمينة يراها المستضعفون من خلف واجهة محل يملكه السادة وللأسف المحل مُشمع بالأحمر…الضمير يا بني فراشة نادرة وجميلة، يطاردها المساكين وتنام متجمدة على شرفات السادة والملوك.
تنهد الطفل وقال ما أغنانا بالضمير يا أماه…
ردت بتنهيدة مشابهة يعلوها الحزن فقالت: وما أفقرنا منه بني…افتقرنا وتيتمنا…
وما اليتم أماه؟
بني، اليتم أن يسلب بيتك، أن تحرم من أرضك، أن تستبعد عن وطنك…هذا هو اليتم بني.
لم تكن لعبة من ألاعيب القدر ولا كانت غفلة من الدهر، إنها الأخطاء البشرية تتزين كل مرة لتظهر بحلة جديدة أكثر تطورا لتعود بالواقع إلى الجاهلية الأولى، الإنسانية تخبئ في ثناياها صك عبوديتها لقد صارت عبدا للجاهلية…ولن تتحرر إلا بثورة، وكيف ذلك والقلم قد تشنج وتخدر الحبر والورق بدل أن يتزين بالمداد ارتدى ثوب الحداد.
لم تلعن السكري الذي عقد قرانه عليها يوم وفاة أبيها وزوجها معا إثر حادث مرور قبل ثلاث سنوات كما لعنتهم، ولم تسخط على جرعات الأنسولين كما سخطت عليهم، وقتها ظن الصغير أن الطرقات وحدها تأكل الأرواح فرادى وجماعات.
وكأن كل شيء ينتقم من براءته، لم يقف على كواليس ما يجري من أحداث لكنه تذوق لسعها وتخبط في دوامتها، لم يعرف الأحلام ليصورها لكن الآلام صورته ودققت في تفاصيله، جسدها المرتعش، وجهها الشاحب المصفر، الكلام العالق بحلقها لا يقوى على الخروج، كل ذلك كان ينهش من جسمه…رآها تتلاشى، تضمحل أمامه، تمنى لو يعصر عمره ويسكبه في عمرها أو على الأقل يتقاسم معها بعضا منه، من حين إلى حين يسأل عن أحوالها – هل أنت بخير أمي؟، ماذا علي أن أفعل؟، لترد بصوت يصارع الحياة – فقط ابقى بجانبي ومهما حدث…عدني ألا تستسلم، ألا تضعف في كل الحالات، وعدتها بذلك كلماته وخانته عيناه، وراحت تمسح بعينيها دموعه.
آخر ما يذكر عن والده أنه قال له لا تثق حتى في ظلك فالظل أخو الحياة والحياة ولدت من رحم المجهول وتحمل المجهول وترمي بالمجهول…بني، أحبها…لكن إن وثقت بها صرت مبنيا للمجهول… لكنه لا أحب حياته ولا أحبته وما عرفها حتى وما عرفته، تغمست ذاكرته بالدمع والدماء، لا شيء غير العويل ورائحة الموت، وجثث كالدمى مرمية في كل مكان، ذهب بناظريه بعيدا عسى هذا حلما ويتمنى أن يفيق من حلمه، نظرات تصور الكثير، ومن يقاسمه صوره؟، لو يصرخ يسكت العالم، ومن ذا سيسمعه؟، عالم من حوله ينهار وعالم بداخله يندثر، عليه أن يختار إذ ليس له الكثير من الوقت لكي يفكر.
لجأ إلى جماعة قرروا الاحتماء بالبحر، وما من خيار أفضل منه، رفض البحر الرحلة، عاتب الريح القارب، غضب الموج، هوى الكل في الماء…صرخ…رماه الموج يمينا وشمالا…بحث عن أمه…غرقت آماله في العثور عليها…تشبث بملامح وجهها، نبرة صوتها، تشبث بدمعها وهي تفر به قائلة كلاما لم يقف على معناه بعد…اختفى عالمه…ونجى…ودون علم منه كان طوق النجاة جثة أمه.
- في أرضي جرذان
- التعليقات