مهنّد يتناوم على سطح بيته المطلّ على جبل المكبر، وتتراءى له قبة الصخرة تتلألأ على نور القمر، يحصي نجمات يكاد نورهن يذوي مع تلبّد السماء بسحب الفجر الخفيفة، ورجال البلدة كلهم نائمون، ونساؤها كذلك. يتهاوى نيزك طويل مشتعل فينير قبة الصخرة بنور باهر، يفزّ مهند كالملسوع، وينظر إلى القبة المشرفة؛ وكأنها تشتعل! يوقظ رفيقه فادي، فيقوم مفزوعًا: “ايش في”؟
– “القبة بتشتعل”!
– “ايش بتقول”؟!
– “اسمع المؤذن بيقول”: حيَّ على الجهاد!
– “قومْ اركضْ، خلينا نلحق”!
أدرك الشابان أن خطرًا يحيط بالقبة وما حولها، فخبأ كلٌّ منهما خنجرَه تحت ثيابه، ونزلا مسرعين إلى المسجد الشريف. كانا يعلمان أن المرابطين والمرابطات لا يتركون الأقصى ليلاً ولا نهارًا. كانت الطرقُ خالية من الناس، بعد فرض حظر التجوّل في زهرة المدائن، فسارا يحتميان بالجُدُر والأسوار، حتى وصلا قريبًا من نقطة تفتيش إسرائيلية، فقرّرا أن يستدرجا جنودها بعيدًا عنها. جمعا ما استطاعا من حجارة وزجاجات فارغة، وبدآ يرجمان الأبالسةَ المتجمعين، فاضطرب حبلُهم، وارتفع صياحُهم ولَغَطُهم، وأخذوا يطلقون الرصاص على مصدر الصوت في بطن العتمة، ثم هدأوا خوفًا ورهبةً، فعاد الفدائيان إلى رجمهم من جديد، واستمرّوا بين كرٍّ وفرٍّ، حتى لحق بهما ثلاثة جنود، فانسحبا أمامهم إلى حواري القدس وزواريبـها الضيّقة، حتى حصراهم في ركن ضيّق، ثم أثارا جلبة وضجّة، فركض أحد الجنود تجاه الصوت مشهِرًا سلاحه، فباغته مهنّد من الخلف، وكتم فمه بيده لمنع صرخة كادت تندّ منه، فيما ارتفعت يده اليمنى يلتمِع فيها الخنجر معانِقًا ضوء القمر، لينقضّ كمخلَب صقر جارح، وينغرس في رقبة الجندي، الذي خرّ صريعًا بلا حراك. واختبآ قليلًا حابسين أنفاسهما، لعدة ثوانٍ مرت ثقيلةً حتى حضر الجندي الثاني يسانده الثالث، بعد أن شكّا بأن شيئًا مريبًا يحدث لزميلهما.
انقضّ فادي على الجندي الثاني، وطعنه في رقبته أيضًا، ولكنّ الثالث رشقهما بصلية من بندقيته، فارتقى مهنّد شهيدًا على الفور. وأما فادي فاستدار حتى احتمى بالجندي الثاني، الذي مات مطعونًا ومزّقه الرصاص، وسقط معه فادي متماوِتًا!
اقترب الجندي الثالث ليتأكد من حال زميله، وما أن قَلَبَه على جنبه حتى كانت يدا فادي الجريح تطوّقان رقبة الجندي الممتقِع خوفًا، فجرّه إليه والدماء تنزف منه، وغرس خنجره في صدره، فسقط عليه بلا حراك، واستشهد فادي بسكينة وهدوء!
كانت الشمس قد بدأت ترسل أشعتها حين أفاق أهل المدينة عل ما حدث، فشرّعتِ النساء نوافذهنَّ على الشمس، وامتزجت زغاريدُهنَّ بأصوات الرجال يكبّرون وقد حملوا الشهيدين على أكتافهم، والصغار يرجمون سيارات الجيش المحتلّ المنكسِر التي جاءت لتحمل قتلاها. ومضت مسيرة الشهيدين ترتفع فيها الخناجر عاليةً تعانِق أشعة الشمس، فتنعكس التِماعاتُها على قبة الصخرة الذهبية، فَتُنِير سماءَ القدس وفلسطينَ وبلادَ العرب بابتساماتِها اللِّطافِ!
- في القدسِ يَلْتَمِعُ الخِنْجَرُ..
- التعليقات