..وقف وسط مكان الخضروات من السوق، كمن يقف وسط دوامة من التيه. فاضت من عينه نظرات خشنة ،وسالت بين انواع الخضروات والناس المنهمكين في اختيار حباتها الجيدة لملأ قففهم بالحصة الاسبوعية منها..الناس انانيون حد القرف، كل واحد يريد ان يختار من الصندوق افضل حباته، ويترك الاقل جودة لمن يأتي بعده. كأن الواحد منهم يقول : انا وقفتي، ومن بعدي الطوفان.! كانت تبدو اصابعهم له وهي تنبش الصناديق في سوق خرذة الخضر هذا، اشبه باظافر قوائم الدجاج وهي تتدافع بين مزبلة من روث.! ضغط على قفته الفارغة بغضب أعزل. أدخل يده الاخرى في جيبه، شعر انه ليس قطعة ثوب بل مزقة بين الجلد واللحم، عاد واخرجها بسرعة ونظر إليها إن كان بها دم.! رأى نفسه ديكا غريبا جائعا بمنقار مكسور، وسط انواع من الخيرات، لايستطيع سوى ان يصرف نظرات كسيحة تعود الى العين اكثر غبنا وجوعا بعد كل جولة، وان يجتر غضبا مشلولا ينجر باطراف ناتئة داخل صدر متعب.! صاح صوت له، بنبرة غاضبة، بين اصوات ضاجة في سوق رأسه : لايمكن ان تعود بالقفة فارغة الى البيت.! رد عليه صوت آخر، بنبرة حائرة : ماذا افعل.!؟ لا احد يريد ان يقرضني، ان يخرج مالا مستدفئا في جيبه، ويدخله الى جيب آخر بارد، هو محطة عابرة في مدار دورة الدرهم.! أكد صوت له ثالت، بين الاصوات الضاجة في سوق رأسه، بنفاذ صبر : لابد من فعل شيء..اي شيء..لايمكن احتمال قفة فارغة في عيون اطفال حزينة.!! رفع عينه الى السماء، رأى مزق الغيوم قطع ملح كبيرة سابحة في الفضاء تتوعد عيونه بقطر حارق..ود لو انه يملك بوق اسرافيل، لنفخ به هذه الغيوم عن السماء والى الابد..هي التي قطعت حبل الدراهم القصير الى جيبه، هو الذي يقتات من مزبلة العمل المياوم. وكلما طال المطر طال انحباس الدراهم عن جيبه، وهي ليست إلا جرعات من دريهمات لاتروي العطش وإنما تجدد طاقته على الاستمرار، وفي الجيب المليان يكمن مفتاح ابواب الدنيا والآخرة السحري، فالفقر هو الكفر.! كاد ان يصيح في وجه احد معارفه، وهو يتكلم، بعد ان صافحه، عن الخير المتساقط مع الامطار، ويرد بانه : ( لخْرا).. السماء تمطر ( لخرا).. فبعد الخير تفيض المراحيض ب( لخرا).! لكنه ترك الكلمة يتردد صداها في دماغه، وسط اصوات ضاجة هي كطنين ذباب عميم حول مزبلة دافئة، وسحب قدميه بين صناديق الخضر والاقدام المغلولة بقانون السوق، وانهمك في ملإ قفته كأيها الناس.!
تنفس الصعداء، بعد ان ملأ قفته، وتسلل دون ان يفطن إليه احد في لحظة زحام..ليس المهم انه سرقها، الاهم انه لن يعود الى اسرته بقفة فارغة ووجه لايجري في عروقه الدم.! نظر الى ساعة هاتفه. لقد اقترب موعد خروج الاولاد من المدرسة.احس ان قبضة رعناء تخنقه بعسف، لايستطيع ان يحتمل قاع الخيبة في عيون اولاده البريئة، وهو يخبرهم انْ لادرهم في جيبه، ويتركهم ينظرون كنظرة جرو جائع مربوط الى ما في يد الاطفال الآخرين.! تراقصت رائحة السجارة والقهوة السوداء في انف مزاجه، فازداد تعكرا..نظر الى الهاتف في يده. فكر في تعلق الاولاد به، هم الذين لاينعمون بالكهرباء والتلفاز..احس انه جزء منهم يجب بتره الآن..لم يعد يملك من خيار سوى بيعه ليرتق به خرقة لحظة عوز عابرة بانتظار اخرى تحمل معها غيبها، على ان يرد اولاده خائبين بلادرهم يوم السوق.! قال لنفسه بأسى : آسف يا اولادي لاني لا استطيع ان ارد عنكم لطمة إلا بلطمة اخرى.! ثم وضع هاتفه للبيع..

أضف تعليقاً