كلّ عيد أضحى ، كان وما زال من عادة العوائل العراقية زيارة موتاهم النازلين قرب الأمام علي ع ، في وادي السلام بالنجف الأشرف . هذه المرة لم أنسَ البخور ، جلبته أولا ، لأضعه على قبر والدي الشهيد وكذلك ماء الورد الذي اَسكبه على القبر ومحيطه ، طقس موروث، لا أفقه منه شيئا ، على يمين القبر بمسافة علا صوت نحيب صبي تشهق له الروح ، أظنه في الثانية عشرة من عمره هكذا يوحي شكله ، دنوت منه ، كان شديد الألتصاق بشاخص القبر ، اقتربت أكثر ، وضعت يدي على كتفه ، استدار والدموع كأنها تنزل من بركان فائض . أحتضنته ، وبعد هدوءه خبّرني عن فراق أبيه الذي استشهد وهو يدافع عن أرض الوطن بكلمات لا تفهم من الحشرجة .
سألته :
– ما اسمك يابطل ؟
– حيدر
– عاشت الأسامي
– أنت الآن رجل الأسرة أم لك أخ يكبرك بالسن
– لا .. أنا وحيد أمي
– أهي معك ؟
– نعم ، ذهبت لتجلب قنينة ماء الورد .
عيني حيدوري الزمن يجري و الحال لن يتبدل ، أبوانا ، نثرا الدم الزكي من أجل البلد . والدي أستشهد في حرب الثمانين ووالدك أستشهد في حرب ضد الأرهاب . تراب هذه الأرض مخمّرة بالدم ، هذا قدرنا ياعزيزي .
ياعم ..
أمّي حدثتني أنّ جدي أيضا مات في حرب الثمانين . حيث هوت سيارته إلى الوادي في الشمال أثر قصف مروحية العدو . ولطالما حكت لنا عن موته قائلة : دارت رحى حرب بسبب رجلين أحدهما معتوه ، والأخر فهم الدّين على اساس مبدأ التصدير . كانت دموعها الساخنة تسقط على وجنتي وهي تمسد فروة رأسي الذي لا يغادر حضنها أبدا .
– هل هذا صحيح ؟
– الصحيح على مرِّ الوقت نحن نسرق من تحت عباءة رجل يرتدي عمامة سوداء ياصديقي .
– إنها قادمة ، مع السلامة .

أضف تعليقاً