..لمحته قادما من بعيد، في نفس الوقت المعتاد، إذ يحرص أن لايعرج علي أثناء انشغالي في العمل. بل يختار أوان الغروب، حيث أكون قد انتهيت. فنجلس ساعة أو يزيد، قبل أن نفترق، كل الى داره..لحظتها كنت قد انتهيت من نقل نبات السدرى، لإحكام سياج شوكي، كي لاتتسلل الخنازير وتعبث بخضرواتي، وجلست لأرتاح، في انتظار وصوله..كانت تنتابني مشاعر متضاربة، مبهظة بقدر ماهي مبهجة، تجاهه. إذ كنت أرغب في أن يأتي، وأن لا…لأنه، وما إن يسري دخان الكيف في رأسه حيث تكفيه بضع ” شقيفات” منه، حتى يفرد جناحيه، ويشرع في التحليق، أعلى فأعلى؛ وأنا أتبعه كالمنوم، في أسر دهشة جميلة من الأشياء المألوفة وهي تبدو مختلفة، في ضوء جديد، يسطع أكثر كلما حلقت وراءه الى مستويات أعلى. إنه الوحيد القادر على هذا، إذ بين الٱخرين، ليس هناك من يقودك فوق الأرض وحسب، بل وإلى أنفاق تحتها مظلمة، وحتى على درب مقفل في نهايته جدار ليرتطم رأسك ! عكسهم جميعا كان، كما من فصيلة الطيور، إذ كان ينبت لي جناحان في حضرته، وأحلق معه، الى حيث عرفت أن للطيور وجهة نظر أخرى ! لكن العودة الى الأرض، بعد كل ذلك، هي التي كانت تجعلني لاأرغب في قدومه. إذ كانت تشبه السقوط، بل سقوطا مؤلما، ننفض بعده الغبار عن هيئتينا، ونمضي، كل الى داره، وفي الصدر شعور طائر إكتشف، مع أول رفة جناح، أن في السماء جوارح أيضا ! لقد كان مختلفا عن الباقي، يعرف أكثر منهم جميعا، ودون مباهاة وادعاء أجوف، بل طالما سمعته يردد أنه لايعرف إلا القليل القليل. لهذا كان حديثه الساحر مختلفا عن أحاديثهم، وانشغالاته كذلك، وكان صادقا صريحا ومحدود العلاقات على مسلك متفرد ومنفرد. لكنه كان يجد لذة وراحة في مجالستي، أنا الفلاح شبه الأمي الذي لم يتخط التعليم الإبتدائي، أكثر من الٱخرين. إذ كنت أشعر به ينعم معي بحرية، لايجدها في مكان ٱخر، فيطلق العنان للسانه وعقله، ويسرح في تفكير جديد علي، يتعمق ويتشعب أكثر مع مرور الوقت، فيزداد بريق عينه اتقادا، الى درجة تشعرني ببعض الخوف، لكن الصفاء الذي يرتسم على وجهه، يجعلني أستكين إليه، وأجزم أنه ليس مجنونا ! تكلم عن الأرض، عن القمر، عن الشمس، عن كواكب ونجوم أخرى لاأعرفها. وذهب أبعد فأبعد، الى حيث توقف رأسي، عند أكوان لامتناهية، واستمر..تكلم عن الحياة في الماء، في أعماق التراب، فوق الأرض وفي السماء، في النباتات والأشجار..وحتى في الفضاء، حيث يخور خيالي المحدود..تكلم عن الإنسان، الذي كان في البدء، قبل أن يعرف ارتداء الجلود، مكسوا بالشعر كسائر الحيوانات، ومثلها كان لم يبرح الغابة بعد. وكيف سار، دون وعي وقصد، خطوة خطوة، على مسار تطور طويل، بلغ به حدا جعله يتطلع لاستيطان كواكب أخرى، كالمريخ الذي علق إسمه في ذهني من كثرة توارده في كلامه..تكلم عن هذا الإنسان، في وجوده على الأرض، كبشر متعددين، مختلفين، بين ذكور وإناث، بين أقوياء وضعفاء، أغنياء وفقراء، مستغِلون ومستغَلون، حكاما ومحكومين، متعلمون وجهلة، ظالمون ومظلومون…هذا الإنسان الذي، ورغم تطوره وتحضره وعقله وقوانينه وعلمه ومعارفه وأديانه وشرائعه، لازال قويه يلتهم ضعيفه، كما كان الامر في الغابة، وبوحشية أفظع..وكان يتكلم عن الموت، ومابعده..كما كان يتكلم عن الموسيقى والأغاني والأشعار…وكل مرة بشكل جديد، يجعلني مبهورا أمام قدرته على ابتكار الكلام الجديد، وكنت أستشعر فرحه الغامر مع نفحة فكرة جديدة، كما كنت أدرك ميله الى الشك في كل شيء، حتى في صحة كلامه هو نفسه ! وهنا كانت تستبد بي حيرة لاضفاف لها، إذ كان كلامه، الذي أستشعره ضوءا كاشفا ينير العتمات داخلي، كما أجده صادقا منسجما تؤكده الوقائع والمجريات والتجارب، يثير سؤالا في ذهني، يترك انعدام جواب له، قلقا في النفس، إذ كنت أردد في سري : إذا كان صحيحا، فلِم لاتسير حياة الناس وفقه ؟ لِم يحكم حياةَ الناس الخطأُ، كالظلم الذي، ورغم خطإه، لم يرتفع يوما في تاريخ البشر الطويل ؟ وهل الصحيح ضعيف بطبعه، ولن يستطيع أبدا أن يحكم حياة الناس ؟ فكيف هو صحيح وضعيف في ٱن ؟ وكيف هو الخطأ قوي ومتجبر ؟ ولماذا صاحبي، الذي ينطق كلاما صحيحا، يوجد في وضع غير صحيح، عاطل باطل نافل لايجد حتى ثمن سجارة وقهوة ؟ وكيف كلامه صحيح، وهو لايستطيع أن يصحح، حال قائله الخطأ ؟
وهل قدر الصحيح، لأنه ضعيف، أن يعاني ؟ لهذا كله كان كلامه، بقدر مايدهشني وهو يفتح سماوات جديدة أمامي، كان يخيفني وهو ينتهي الى ضعف وعجز مزمنين، إذ لايستطيع تغيير حال قائله، فمابالك بفلاح شبه أمي مثلي ؟ فكان يبدو لي، في نهاية المطاف، كأعمى يحمل مصباحا، يستضيء منه العابرون، بينما عينه مقفلة دون نوره، وكنت أشفق عليه، ولاأنسى نفض كلامه عن أذني، عند افتراقنا، كي أواصل الركض وراء حياتي، وفق الخطإ نفسه، لأن الصحيح ضعيف، وأنا لاأريد ضعفا أكثر، ليزداد شقائي !
- في انتظاره
- التعليقات