..لم يكن يشعر بالبرد، وهم يخرجون بقاياه من ثلاجة حفظ الموتى، بل بنوع من الارتياح إذ حظي، اخيرا، بتابوت يلم هيكله المتعب مؤقتا، بعد ان طُمّرَ جثمانه في حفرة كبيرة كانت اشبه بكيس كبير من تراب كُدستْ فيه جثامين عديدة قُتلتْ على عجل.! اخيرا وليس آخرا، أُتيحَ لبقاياه ان ترتاح وتتمدد، بعد ان كانت مكومة بين ركام من جثث.. وما كان ليعنيه ان يصير عاريا بعد ان استحالت الاسمال التي طُمّرَ وهو يرتديها الى مزق يمكن ان تذروها الريح غبارا.. المهم ان تكون قد توفرت لديهم، هم الذين نبشوا المقبرة الجماعية، اجوبة تفك السر المطمور ، بعد ان اخذوا عينات من الهياكل.. المهم ان يحددوا هويته، لينعم بقبر يضم بقاياه، في سلام، بانتظار المحطة الاخيرة.!
لم يعد يذكر من مشوار حياته ومماته سوى زحام يندغم في زحمة، فمن وطن ضاق على ازدحام ابنائه، الى حفرة تزاحمت فيها جثث ملقاة كالقمامة، فثلاجة لحفظ الموتى تنتظر في زحام صقيعها هياكلٌ ساعةَ الكشف عن هوياتها ، هي التي عاشت غريبة على تراب الوطن، وقُتِلتْ في طريق النزوح عن حدوده.! ولم يكن لها من ذنب، سوى انها حلمت بقضبان الوطنِ السجنِ تصير سيقان ورد في وطن الحرية، وهتفت مِلْأَ حناجرها، لكن القضبان تحولت فوهات بنادق، وعلا أزيز الرصاص، فصار الهتاف أنينا أعزل يتساقط على شتات الدروب .. وفي الاخير لم يتسع الوطن سوى لحفرة جمعتْ اشلاءَ جثثٍ كانت لاتزال تقطر منها طراوة الحلم.! لكن الحظ، الذي طالما سمع به دون ان يراه يوما، غاب هذه المرة ايضا، ولم تمكنهم المعلومات المتوفرة عنه من رسم صورة واضحة لهويته، فكل ما سمعهم يقولونه انه ذَكَر في عقده الرابع من العمر، وكان يعاني هشاشة في العظام واضطرابا في الروح وقصورا في العقل، وانه قًتِل بعد ان اخترق وابل من الرصاص جسمه من جهة الظهر.. لهذا كان من الضروري إعادته الى الثلاجة، بانتظار ان تظهر مستجدات اخرى تمكن من تحديد هويته النهائية لتسليمه الى قبره الاخير.! غضب، وهو يسمع ذلك.. مل الانتظار، في حياته ومماته.. اشتاق حد اللهفة قبرا يضم هيكله المتعب، بانتظار الساعة، التي كان يعتقد انها اقتربت كثيرا، كي يأخذ القتلةَ بناصية دمه المسفوح على يدهم المجرمة. فكان يخشى ان تمر الساعة وهو في ثلاجة الموتى، ويفلت منه المجرمون كما افلتوا في الحياة.! ازداد توتره. صار قلقا.. مد بقايا يده ليقرع جدران التابوت، لكن سلامياتها تناثرت كحطام صغير، فارتد بصره حسيرا، وهو يرى باب الثلاجة يُغلق.. ولم يُسْمَعْ له صراخ.!
- في انتظار قبر
- التعليقات