وَقعُ أقدامٍ تسير متسارعةً، وصمت يطبق أفواه الماشين بعدما ابتعدوا عن البيت، وقد علق الصّراخ بالمسامع.. وقعٌ يحملني إلى هناك حيث كنّا…
صوتُ خطواتنا كأنّه موسيقى غاضبة تتردّد أنغامها على مسامعنا، ولا أحد في المكان سوانا. ولتبديد الوحشة والتخلّص قليلا من سود الأفكار توقفنا فالتقت عيوننا، وانفجرنا في نوبة ضحك كادت توقعنا أرضا.
بعدها شددنا أحزمة الإصرار والتّحدي وقررنا الإكمال.
الحرارة العالية تلفح وجوهنا التي ما أسعفتها الأغطية، والسّراب تحسبه ماء. الرّيح سكنت، والسّماء لا لون لها فانتابني شعور بأنّ رحلة المغامرة هذه تحتاج إلى الكثير من الصّبر كي لا نخذل أنفسنا، بعدما قرّرنا أنا وزملائي خوض رحلة الاستكشاف حُلمنا وهدفنا!
واصلنا المسير والرّوائح المنبعثة من البحيرات البركانيّة تزكم أنوفنا وتسبب صعوبة في التّنفّس.. كثبان مِلحيّة تبهر العيون وأشكال فنيّة تخلب الألباب، ولا يخطر بالبال سوى التّأمّل والتّفكير بقوّة الصّمود والثّبات مثلما صمدت هذه الجبال والكثبان في وجه أقسى مناخ.
راودني إحساس أنّ الإنسان يتعلّم من الطّبيعة الكثير، وبدأت بمحادثة أصدقائي عن كيفيّة تكوّن هذه الأشكال، وعن جغرافيّة المكان بعدما درسته جيّدا، ولكنّ جمال الواقع يفوق الوصف المُتَخيَّل…
أخذ التّعب منّا كلّ مأخذ، ولاحظت شحوبا يعلو الوجوه ووجوما لا يعقبه حديث بعد الاستماع لما استعرضته من معلومات.
اقترح أحد المرافقين العودة إلى نقطة الانطلاق؛ لأن لهيب الشّمس يكاد يحرق الأجساد، وماء الشّرب لا يكفي لإكمال المسير. سطر الخوف حروفه على الوجوه وقررنا الرّجوع إلى خيمتنا.
الإعياء لا يسمح لك بالالتفات وتفقُّد مرافقيك.. كُلٌّ يبذل جهده للوصول قبل المغيب، فعتمة المكان لن تسعف أحدا لتخطّي وعورة المسار…
فجأة، هبّت عاصفة هوجاء حملت الرمال وذرّتها في الفضاء فمنعت الرّؤية أمامنا.. ما هذا؟ هل قامت السّاعة؟ رجلاي لا تسعفانني بالمشي والتّقدم كما يجب.. أصوات الرّفاق تتعالى وتطلب النّجدة .. عواء الرّيح الصّاخب يحدّ من حاسّة السّمع.. الجسم يعاند ويتحرّك متثاقلا، العينان مغلقتان ولا يمكن فتحهما إلّا لثوانٍ، والرّياح الحارّة تكاد تصلى ما تكشّف من الجسد.
كيف السّبيل للوصول إلى الخيمة المشتركة؟ وهل أنا في الطّريق الصحيح؟
أمسكت بطرف صخرة صادفتني علّني أشعر ببعض اطمئنان، لكن عبثا، فالنبتة الشّوكيّة التي وضعتُ إحدى يديّ عليها آلمتني جدّا..
ساق لي القدر أحد المرافقين، فأمسكت به وشكّلنا معًا قوّة مضادّة ساعدتنا على التّحرّك.
لا أدري كم من الوقت احتجت للوصول، فقد كنت أحسب أنّي سكنت في الجحيم فترة طويلة، وخرجت منه وصولا إلى المكان الآمن…
بعد فتح العيون وجدنا أنّنا ثلاثة ولسنا أربعة، فصرخنا :
أين زميلتنا؟
خرجت كالمجنون أجري بعدما زوّدت جسمي بما تبقّى لدينا من ماء، أصرخ وأنادي ولا من مجيب.. أشباح العتمة بدأت ترقص في المكان وغامت الرؤية، ولم يعد بإمكاني البقاء خارجا.
عدت وبدأت معركة الأفكار في عقلي يشتدّ وطيسها، فألقتني طريح الخوف والقلق على مصير زميلتنا.
بعد لحظات قرر ثلاثتنا الخروج ثانية متحدّين شرّ الظّلام لاستدعاء مرشد مختصّ بالمنطقة الجهنميّة هذه.
لا بدّ من السّير المضني بعد يوم مُهلِك جسديّا ونفسيّا للبحث عن رفيقتنا.. نمشي ولسعات الهواء الذي انقلب من كاوٍ إلى بارد تخترق العظام وتحذّرنا من الاستمرار. نسير غير آبهين، وأصواتنا يكاد يخنقها الأنين وتسكتها البحّة بعدما تعالت، لكن لا مجيب. شعرت أنّ الصّحراء القاتلة هذه تهزأ بنا وتقول لنا: عودوا، لن تفلحوا في التّحدّي!
الخوف يدفعنا للبحث، والإرهاق يحثّنا على التّوقّف، وظلت المشاعر تعصف بنا حتّى أسكنها اليأس وهدّأتها الخيبة لنعود أدراجنا محبطين!
التّعب يطرحني أرضا، والهواجس تعيدني إلى المكان.. ترى ماذا جرى لك أيّتها المتحدّيَة المثابرة؟
هل حملتك الرّيح بعيدًا؟
إلهي، أيعقل أن صادفها حيوان م ف ت رس ؟!
احفظها يا رب! كيف بنا العودة من هذه المغامرة خائبين؟
هرعت فرق للإنقاذ، وبدأت عمليّة البحث وقلوبنا تتقافز خوفا وأملًا..
طُلِب منا أن نعود إلى خيمة الأمان، فالصّحراء قد تغدر بنا ونضيع مثل رفيقتنا.
كيف نعود والعقل تعوي ذئابه بأفكار عجزنا عن النّطق بها لفظاعتها؟ كيف نجلس وقد تيبّست الأيادي، وتشنّجت الأقدام فاقدة القدرة على الحركة؟!
نحتاج مرطّبا يرطّب الجسد كي يتعافى ويرطّب النفس كي تقوى على الاستمرار بغرس بذور الأمل في دواخلنا بأننا سنجد من تاهت بها السّبل…
أجبرنا على العودة بسيّارة تابعة لفريق البحث وبقي من يكمل المهمّة …
يا له من ليل موحش طويل تضيئه مخيّلتنا بصور نار البركان في المنطقة!
أضواء مباغته تكشف خيمتنا فنهرع علّ القادم يسعفنا بخبر مفرح، ولكن سير المركبة البطيء يوحي أنّ هناك ارتباكا…
يقع الخبر علينا كالصّاعقة.. عادت صديقتنا بعدما خرجت من الحفرة التي سقطت فيها نتيجة ترنّح العطش والتعب اللّذَين اوقعاها إعياءً. عادت ولم يعد الحلم الذي أخبرتنا به حقيقة .. لقد دفن هناك تحت لظى الصّخور وسواد التّراب.
وها هي ذي تتوارى عن الأنظار في حفرة وضعها فيها أحبابها مرطّبة بندى المحبّة وميرميّة الرّحمة بعيدا عن جهنّم حفرة الصّحراء الأثيوبية!.

أضف تعليقاً