1- أحدِّق في الوجوه من حولي، وأهداب العمر تتساقط، اسكب دمعًا مدرارًا على شبابي الآفل، أتساءل بمرارة ولهفة، هل تمنحني الزهور عطر أريجها؟ أه.. زهوري غضَّت وضاع أريجها،عَزفتُ ..انزَويتُ ثم نأيْت، لم يعد لي ثغر باسم، ولا أسنان أتباهى بها، هل يمكن للمرء أن يستعيد نشاطه ومظهره وأحاديثه ؟ يلازمني غلق صاخب، وصمتٌ محمَّل بالأسئلة، ماذا افعل وأوجاع الفم لا تحتمل؟ هل أقوم بحَشو أسْناني المَثقوبة، ونزع التي أصَابهَا الوَهَن؟ أم أتخلص من تِلك التي شاخت وتخرَّبتْ وسَكنتها السُّوسَة؟ أقف حائرًا مُترددًا، والاختيار المؤلم أراه وجيها،لا فائدة ترجى من أداة معطلة، ولا معنى لعضو مشلول، ها انذا مُتوجِّه إلى عِيادة طبيب الأسْنان؟ والأسْئلة لا تزال تسْكنني، تمتدُّ في دَاخلي، تضيءُ شمُوعًا في سَنوَات العُمر، أيام انصرمت كطيف الكرَى، يغمُرني إحْسَاسٌ هُلاميُّ خفيُّ، فبعد عَناء ورحَلات ما كوكيَّة، انتشل نفسي بنفسي من هوَاية الوقت، وضيّاع الفرَص الهَاربة، اهزم خوفي وانتصرُ، أتخلى عن إصْلاح ما افسَد الدَّهر، أقنع نفسي بأن كل شيء يلحقه الهرم، وينتهي لا محالة إلى الزوال، رُمْتُ قرَارَ التخلص من جَميع أسْناني، الصَّحيح منها والمَعْطوب، ولو تأنيتُ لكان أحسن! تحوَّل فمي في أيّام مَعْدُودَات إلى أدْغال مُظلمَة مُوحشة، إلى مغارة عجيبة، إلى ما يُشبهُ الإبط تماما، أتوارى حياء ويطويني الذهول، اسعي إلى تعويض ما ضاع، التمِسُ من طبيب الأسْنان أن يُسْعِفني، وقد فعل.

2- دَلفتُ الصبح العيَّادة، قادَتني المُمرّضة بلطف إلى ما يُشبهُ المَتحَف، انبَهرْت.. أصبْت بالذهُول والدَّهشة وسط هذا الركام من النماذج، فك هُناك وآخر هُنا، أطقم ضَاحِكة، طقم جُزئِي، أطقم مُبعثرة على الرُّفوف والطاولات، جُمْجُمة تربّعت على عَرشها ضاحكة مُستبشرة، وبينما أنا أقف مبهوتا، ومن حولي أطقم مُكشرة عن أنيابها وأضراس ترعبني، يتقدَّم مني الطبيب مُبتسمًا، أتمدد بين يديه على كرسي وثير، للتو أدْخل قالبا من الجبش في فمي، فتحصل على ما يُشبه مبتكرات أطفال السنة الثانية في حصة التربية التشكيلية، يضيف قوالب أخرى ومَسَاحيقَ، كان ماهرًا في انتقاءِ النماذج، حديثه مَعي أوامر صارمة، افتح فمك، أغلق..اضغط.. افتح..ابصق..اغسل.. اسْترح، يا فرحتاه..! بعد جلد واصطبار، صار لي طقمٌ جديد، بأسْنان لامِعة البياض كالجواهر، مُسيّجة بحُمْرة غاطسَة في اللوْن ألقرمِيدِي، أشعر بأن شبابي بدأ يعود،وياليت.. طقمٌ أحَرِّكه بلسَاني فيتحرَّك، استعْملهُ بحَذر فيَلين؛ يَتطايرُ الرذاذ إذا تحدثت، تنفلتُ الكلمَات وتضيعُ الحُروف إذا قرَأت، تتساقطُ الأطعمَة إذا أكلت، يتدَفقُ الماء شلالا إذا شربْت، أتحسّسُه بأطراف أنامِلي، حيث يرقد كالأشياء النائمة فيهتز، يا إلهي..جسْمٌ غريبٌ يرْقدُ بين الفكيْن،والجسم الغريب يبقى غريبا،والغريب مستهدف،أخشى أن يضيع مني أوابْتلعَه، وبإمْكاني أن أسْال النور، عن ابتسامة عابرة،عن أسْنان اقطع بها اذرع الظلام،عن طعام ابْتلعه دُون مَضغ،عن أيام قدّت من العمر، اكتفي بقليل من الصَّمت،أصغي إلى نبراتي

الراعفة. 3- ذات مُناسبة دُعِيتُ إلى وليمَة فاخرة، فحَدَث لي مَا لم أتوقعه، سَقط الطقم العلويُّ في قِدْر المَرق، فأصبْت برَعْشة من الحُزن والخجل، أخرجْته مُعتذرًا، انصرفتُ مُطأطئ الرأس، وفي القلب آهَة مَخْنوقة، أسْرعتُ الخطى دُون أن التفت، وبينما انأ في الطريق انبش في الذكريات، واقلب صفحات الماضي، يتقدَّم مني قط، اخذ يَمُوء ويتمسّح بمَلابسي، قلتُ في نفسي لعله جائعًا، أخرجْت من جيْبي المنديل، وبداخله طقم أسْناني ولم انتبه، في الطقم بقايا لحْم، نيَّتي البحْث عن قطعة نقديَّة لأشتري له جبنا، وإذا بالقط ينقضُّ على المنديل، يخطف طقم الأسنان، ثم يفر هاربا؛ ولهول المفاجأة امْتطي وجَعي وارْكضُ خلفه، اصْرخ بأعلى صوتي هيَّ أسنان الدولة..أوقفوه.. احذروا. ويتوقف القط لوحْده، فاسترْجعُ الفكَّ المَخطوف بجُهْد جَهيد.. ومن ذلك اليوم صارت الحَادثة قصَّة في المَجالس ترْوى.

أضف تعليقاً