..تركتُ البطل يحتضر، في انتظار أن يهمد تماما، ووضعت نقطة نهاية القصة. ثم تمددتُ على الكرسي، دافعا بقدمي تحت الطاولة، بعد أن تخلصت من القلم، الذي يحولني الى حبر، ويحتويني داخله، لما أمسك به، ويقطرني حرفا حرفا، على ورقة أعَدَّتْ سلفا مجاريها. لهذا يترك الحبر مذاقه الأسود على لسان روحي، بعد أن ينجلي عني غبار اللغة في زوبعة الكتابة. وكم أشعر بالتعب عندها، وينفغر في صدري فراغ سحيق ضاج بطنين جاف، فأحتمي بدخان السجائر، قبل أن أسقط في نوم عميق كبئر لاماء في قعره! لكن هذه المرة لم يكن أمامي متسع وقت، كي أسقط على السرير، إذ كان علي الإسراع الى شراء الكفن وإعداد لوازم الدفن مع تهيئة مراسيم الجنازة، لمواراة بطل القصة، الذي تركته يحتضر، الى ٱخر حيز له على هذه الأرض. لهذا تحاملت على نفسي، ونهضت عن الكرسي، مستعجلا الخروج..
لكني لما رجعت، بعد أن أنهيت الإستعدادات، صعقتُ، إذ وجدت البطل، وعكس توقعي تماما، قد نهض عن سرير الإحتضار، وسار الى النافذة بعينين مشعتين وخدين متوردين، فكدتُ أسقط مغميا عليه، ولم أصدق عيني لأول وهلة، لولا أنه بادرني في سخرية واحتقار باديين :
– هيه، لم أمت..أليس كذلك !؟
– بلى..لقد متَّ !
وجدتُ نفسي أرد بٱلية واندفاع.
– لكن هاأنذا أمامك كالجدار !
رد بثقة واستكبار، فيم جسده يحاول التمطط لأخذ اكبر حجم ممكن، ليحظى بأوسع حيز للظهور.
– وهاأنذا أيضا امامك كموتك المحتم..أنا موتك وحياتك..وبإشارة مني تكن أو لاتكن !
– هيه…
رد بابتسامة ساخرة ومستصغرة، وأضاف:
– أنت لست خالقا ! أنت كاتب فقط..والشخصيات الأدبية لم توجد لتسبح بحمدك، كما لها صراطها الذي لايستقيم بحسب مسطرة الكاتب، بل ينحفر على تضاريس جغرافية القصة..
– أنا خالقك !
صرخت غاضبا في وجهه.
– بل انت في أحسن الأحوال كالأب، ونحن الشخصيات الادبية كالأبناء، وهؤلاء لايموتون بإشارة من الأب، وإن كان هو من أعطى إنطلاقة الحوين الأدبي في اتجاه بويضة اللغة، والاب لم يكن يوما خالقا، ولن يكون! كما للأبناء شخصياتهم المستقلة ومصائرهم الخاصة !
– كلا، كلا..أنا خالقك، وقد تركتك تحتضر، وكان عليك أن تموت، كما شئتُ لك !
– وهاأنذا حي أمامك كما لم تشأ !
– لا، لا.. يجب أن تموت !
– لن أموت !
– سأخنقك إذن !
– أنت كاتب مجنون إذن !
– إخرس أيها الوغد..لقد أعددت جنازتك، ودبجت شعرا في رثائك، وأنت لاتموت !
– لن أموت !
– سأخنقك بيدي هاته إذن !
صرخت في وجهه مهتاجا، وارتميت عليه، ثم أطبقت بيدي على عنقه، ورحت أخنقه، بينما كان يبتسم في وجهي كأنه لايشعر مطلقا بقبضة يدي على عنقه ! إنتابني خوف شديد من أن تكل يدي وترتخي كخرقة من جلد، وحاولت أن أستجمع قوتي أكثر، لأضغط عنقه بشدة أكبر ! لكني إستيقظت من نومي فزعا مبللا بالعرق، فيم يدي ممسكة بعنقي ! وأدركت أني كنت في المنام أخنق نفسي، فاستبدت بي خشية رهيبة من أن لاتنفك يدي عن خناقي، جعلتني أتركها حيث هي، وخرجت مترنحا في هرولة بادية، الى الشارع، مستنجدا بأي أحد يمكن أن يخلصني من يدي !
- في قبضة يدي
- التعليقات