ما هي إلاّ لحظات ويبزغ نور الفجر،وترى الشّيخ محسن ،وإن طعن في السنّ متّجها نحو المسجد،لتأدية صلاة الصّبح، وبعد أن يفرغ من صلاة الصّبح، تراه وكالمعتاد يتّجه صوب المقهى، يجلس هناك في انتظار طلوع النّهار وإشراق الشّمس. سويعات وتطلّ الشّمس، وتضرب بأشعّتها على المدينة، فتكشف لنا عن حشود من النّاس خرجت من منازلها باكرا، متّجهة في كلّ اتجاه،فهذا يقصد عمله،والآخر متّجه نحو متجره يستفتح تجارته بباسم الله علّه يحصل على ربح وفير هذا اليوم، فيعوّض به خسارة الأيّام الماضية،وآخر إلى المدرسة لتعليم الأولاد وتربيّتهم،وذاك إلى زاويته المعهودة يترجّى المارّة أن يصدّقوا عليه ببعض الدّنانير…وبين هذا وذاك يبقى الشّيخ محسن جالسا عند أحد المقاهي يحدّق في المّارة بغرابة كبيرة. الزّحمة في تزايد،والنّاس يهبّون من كلّ حدب وصوب، إلى أن امتلأت الشّوارع عن آخرها بالمّارة،وتشكّل ظلّ كبير على رصيف الطّريق ، ورغم أنّ الشّمس كانت ساطعة لدرجة أنّ الشّيخ محسن لم يعد يقوى على فتح عينيه ،إلاّ أنّ الحشود المجتمعة قد حجبت أشعّة الشمس من الوصول إلى قدميه الباردتين. يظلّ الشّيح محسن جاسا عند المقهى الذّي بدأ يعجّ بالوافدين إليه ،ولكن نادرا ما يتكرّم عليه النّاس، فيدفعون عوضا عنه وجبة الإفطار، فقد أصبح التّسوّل “مهنة” يزاولها الفقير وميسور الحال أيضا. في الماضي كان الشّيخ محسن الوحيد تقريبا في هذه المنطقة،وكانت له سمعة طيّبة ،ومكانة كبيرة في قلوب النّاس، وكان الكلّ يكنّ له التّقدير والاحترام،وكان لا يمرّ عليه شخص إلاّ ويلقي علية التّحية ،ويجلس معه حتّى يستمع لحكاياته الطّريفة…أمّا اليوم فأصبح المارّة يمرّون عليه مرّ السّحاب، ولم يعد أحد يزعج نفسه بالجلوس إلى شيخ هرم، وأصبح شغل الحياة يشغل بالهم،ومشاكل الدّنيا تسيطر على تفكيرهم،وصدفة وهو جالس يتأمّل المارّة ،فإذا بشخصين يقتربان منه
فجلسا إلى جانبه في المقهى، وراح كلّ واحد يشكو للآخر عن حاله،فهذا يحدّثه عن ابنه الذّي انحرف عن الطّريق و ترك دراسته،وأصبح يبيع المخدّرات،والآخر يشكو له عن ابنته التّي صعدت للجامعة،فطار عن وجهها الحياء، وأصبحت عصريّة أكثر من الفتاة الغربيّة، ويردّ عليه الآخر ويشكو له تأخر دفع راتبه الشّهري، وتزايد الدّيون المتراكمة على كاهله ،لقد أكلت الفواتير كلّ مدّخراته ،فاتورة :الكهرباء والغاز ،الماء،الانترنت،الهاتف….لقد أنفق راتبه الشّهري في سداد الدّيون والفواتير، ووصله البارحة استدعاء من المحكمة ،يهدّده بالطّرد من العمارة إذا لم يسدّد دفعات الكراء الماضية، لكن المسكين خوى جيبه وحسابه في البنك من جرّاء تسديد الدّيون والفواتير،لكنّ هذه الأخيرة تأبي الزّوال.
وبمناسبة الحديث عن المال،يفتح صديقه موضوع ابنه المهاجر الذّي لم يرسل هذه المرّة المال للعائلة،قد تكون السّلطات الفرنسيّة ألقت عليه القبض بتهمة الهجرة غير الشّرعيّة ،أو ألفقت له تهمة دعم الجماعات الإرهابيّة وزجّت به في السّجن. وظلّ الشّخصان يشكوان،ويمقتان كلّ شيء، المجتمع والدّولة، والنّظام…وحتّى القهوة التّي كان طعمها مرّا، ولكن لم يتعب أيّ منهما نفسه بالتّفكير في هذا الشّيخ الجالس قربهما،والذّي لم يذق طعم الأكل منذ البارحة.
وأيقن الشّيخ محسن ألاّ خبز مع هذين الشّخصين ،واتّكأ على عصاه،متّجها إلى زاوية أخرى علّه يحظى برفيق قديم يدفع له ثمن الفطور،وهو يرثي الأيّام التّي تمرّ مسرعة ،دون أن تترك للإنسان لحظة واحدة يفكّر فيها مع نفسه:
-ماذا جنا من الرّكض وراء الدّنيا،أو ينتبه للحال التّي وصل إليها اليوم مجتمعنا،ودرجة الانحطاط التّي نعيشها، ولكن حسب الشّيخ محسن “الكلّ يدري …ولا أحد يدري؟ الكلّ مدرك للوضع،ولا أحد يصدّع رأسه في التّفكير بحلّ شامل. يحنّ إلى الماضي ،إلى الزّمن الغابر،لم يعد يؤمن أنّ ما تخبئ له الأيّام القادمة سيعوّض عنه دفئ الماضي، ويعيد له راحة البال التّي كان ينعم بها في الماضي.
الأيّام الخوالي التّي قضاها رفقة الأخلّة والأحباب،أين كان يأنس برفقتهم، ويطمئنّ لوجودهم،يسارعون لإعانته إذا احتاج لمساعدتهم ،يمرض فيسهر الأهل لمرضه ،يفرح فيفرحون لفرحه،يتألّم فيحسّون بوجعه،فقد كانت قلوبهم حيّة تنبض بالحياة. حنين إلى الماضي يشدّه ،وشوق إلى ملاقاة الأحباب يدفعه لتمنّي الرّحيل يوما بعد يوم،لم يعد يطلب من هذه الدّنيا سوى الموت الذّي سيريحه من بؤس الحياة الذّي طغى على مجتمعه الحالي. وهو جالس على مقعده،متّئكا بكلتا يديه على عصاه ،تمرّ عليه مظاهر لم تكن مألوفة في زمانه،ففي أيّام صغره، كانت بذور المحبّة والعطاء، تزرع في قلوب الأطفال كما تزرع الورود في حدائق المنازل،وكان وهو صغير كثيرا ما يسمع عن احترام من هم أكبر سنّا نهم،والعطف عن الصغار،والشّيوخ الكبار،مواعظ ودروس كان يحفظها الشّيخ محسن عن ظهر قلب،فلطالما تردّدت على مسامعه.
أمّا اليوم فقد أصبح الشّيخ محسن يبصر تقصير الآباء في تربيّة أولادهم،فلطالما كان يمرّ عليه الأولاد صباحا، وهم متّجهون إلى مقاعد الدّراسة،ويعايرون حالته الصّحية،وتنقله من مكان لآخر مستعينا بعصي. مظاهر البؤس كانت تحيط بالشّيخ محسن من كل جانب ،ملابسه التّي غدت رثّة،وحذاءه الذّي امتلأ الثّقوب،وأسنانه التّي أخذت بالتّساقط الواحدة تلوى الأخرى ،وشعره الأشعث الأغبر ،وما كان يسكن سوى قبو العمارة التّي كانت تطلّ على الطّريق.
مظاهر كانت تثير سخريّة الأولاد منه،وكانوا يتسلّون بمعايرته،ولكنّه ورغم تجاهله لهم،إلاّ أنه كان يتألّم من معاملتهم السّيئة وإن لم يكن يبدي ذلك للعيان، وما كان يجرح مشاعره أكثر ،تغاضي بعد الآباء،وكبار السّنّ عن نهي أولادهم عن مثل هذه الأفعال المشينة. في أيّامه كان العبث مع من هم أكبر سنّا منهم جريمة لا تغتفر،وكانت علامات الضّرب،تعمرّ على أجسادهم طويلا، فلم يكن مسموحا لهم رفع أصواتهم على من هم أكبر سنّا منهم ،كل ما تربّوا عليه هو الطّاعة والاحترام.
ولكن يبدو جليّا للشّيخ محسن أن مشاكل الحياة والدّنيا اليوم،قد شغلت كثيرا من الآباء عن تربية أولادهم تربيّة سليمة،وقد غلب الرّكض وراء الدّنيا،اهتمامهم بتنشئة جيل سليم. يظلّ الشّيح محسن مستغرقا في التّفكير،يتدبّر الحالة التّي وصل إليها مجتمعنا،ولا يتوّقف عن التّفكير ألاّ حين يمرّ عليه أحد المّارة ،فيرفع عينيه نحوه ،في محاولة لاستعطافه ،علّه ينظر إلى حاله ،فيمنّ عليه ببعض الدّنانير، يشتري بها ما يسدّ به جوعه،ولكن نادرا ما كان يلتفت إليه أحد المارّة،فالكلّ يركض في لهف،ولا يكاد يمرّ عليه شخصان إلاّ والآخر يشكوا همّا أكبر من همّ صاحبه.
ولكن دائما ما كان هناك شخص يقاسم الشّيخ محسن،همومه ،ومآسيه،شخص يقارب سنّه سنّ الشّيخ محسن، وتشبه حالته حالة الشّيخ محسن إلى حدّ بعيد،معدم،وقد تخلّي عن الرّكض وراء الدّنيا،واستسلم لتيّار الحياة ،لم يعد يبالي إلى أيّ ضفة يقذفه تيارها الجارف،فقد خارت قواه ،وهرم جسمه المتآكل، وفرغ جيبه،ولم يعد يملك سوى رغيف الخبز الذّي كان مدخوله الشّهري من منحة المعوّقين،يسمح له باقتناءه،ولكنّه لم يكن يبخل على الشّيخ محسن بقطعة رغيف فحتّى وإن كان الخبز الذّي كان يجنيه في اليوم قليلا ،إلاّ أنه يتذكّر الشّيح محسن،ويقدم له قطعة من الخبز يسدّ بها رمق الجوع.
فمن يتعب نفسه في النّظر إلى هذين الشّيخين الهرمين،ومن يتعب رأسه في التّفكير بهما،وهما مجرّد نكرتين. ورغم أنّهما طاعنان في السّن،إلاّ أنّهما كان يلتفتان لكلّ صغيرة وكبيرة تحدث في هذا الشّارع المزدحم ، وغالبا ما كان يتهامسان بما يحدث حين يلتقيان ،ويجلسان مع بعضهما البعض إلى نفس الطّاولة،خاصّة أنّهما قد عمرّا طويلا، ولاحظا من الاختلاف ما تعجز العين عن تحاشيه، واللّسان عن خوض الحديث فيه، فالعقليّة الجديدة التّي دخلت على المجتمع العربي،صارت حديث العام والخاص،ولم يسلم منها لا الصّغير ولا الكبير ومسّت كافّة جوانب الحياة.
فهذه العقليّة التّي تسود المجتمع اليوم،والتّي راحت تسيطر على عقول النّاس،رغم أنّه في زمانهما كانت مثل هذه المظاهر تثير اشمئزاز الناّس،فكانت منبوذة من طرف الجميع، وكان الخوض في الحديث عنها يثير حفيظة النّاس ، إلاّ أنّها اليوم وللأسف قد طغت على مجتمعنا الحاليّ،وأصبحت بارزة لعيان، فغياب النّصيحة ،وتهميش كلمة العاقل،وإعلاء كلمة السّفيه أمور جعلتها تتفشى بصورة رهيبة.
فعندما يجلس الشّيخ محسن إلى جاره السّي عمّار،ويبدأ الحديث يدور عن موضوع غفل عنه كثير من النّاس، حتّى صار مألوفا عند البعض،إنّها ظاهرة الخمر التّي غزت البلاد من شرقها إلى غربها،ومن شمالها إلى جنوبها،وفي مجتمع إسلامي ينبذ “أمّ الخبائث”.
في كلّ يوم يمر شخصان أو أكثر على الشّيخ محسن،في حالة مزرية من السّكر…روائح الخمر تملأ الشّوارع،لدرجة أن الشّيخ محسن ورفيقة السي عمّار، يغطيان أنفيهما من شدّة الرّوائح،ويحجمان عن النّظر إلى هذا الشّاب الذّي يتمايل يمينا وشمالا من كثرة الكلام البذيء الذّي يخرج من فمه،فيتوجّه الشّيخ محسن الذّي ضاق ذرعا من هذا الوضع المزري، بسؤال للسّي عمار:-ألا تتعجّب يا سي عمّار ممّا أرى اليوم؟ ويجيبه السّي عمّار بدم بارد:
-وممّا تتعجّب يا شيخ محسن؟
– هل الأمر عادي إلى هذه الدّرجة يا السّي عمار؟
-“عادي في بلادي” يا شيخ محسن…”عادي في بلادي”.
-في زماننا يا سّي عمّار كان مجرّد الحديث عن الخمر يثير حفيظة النّاس،واليوم ترى النّاس سكارى مبتهجين بما يفعلون،حتّى الحياء طار عن وجوههم.
-أنت يا شيخ محسن في عصر الحرّية…،ردّ عليه السّي عمّار في سخرية.
-الحريّة يا سي عمّار…ألم يجد من طريقة أخرى للتّعبير عن حرّيّته،سوى المشي في الشّارع يتمايل كالأحمق؟.
-إيه يا شيخ محسن،لقد ضاع شباب اليوم،الفقر،الجهل،وإتباع الغرب إتباعا أعمى.
-أتعلم ما يزيد من دهشتي يا سي عمّار …الشّرطي الواقف هناك،لم يلتفت للشّخص المارّ أمامه وهو في حالة من الثّمالة،ولم يتعب رأسه بالتّفكير في عواقب سكره على المواطنين.
-لقد أضحكتني يا شيخ محسن،فالرّجل الذّي مرّ أمامنا وهو ثمل،هو الآخر شرطي،فمن يعاقب من؟.
-ثم لاحظ يا سي عمّار،ألم تنتبه إلى أنّ أخبار التّلفزيون،لم تعد تتداول سوى أخبار السّرقة والقتل والمخدّرات ماذا حلّ بنا، ومن أين جاء إلينا هذا البلاء؟.
-نعم يا شيخ محسن،فالكلّ مرتبط ببعضه،القتل يكون تحت تأثير المخدّرات،فالمخدّرات غزت البلاد، وأصبحت تصل حتّى إلى أيدي الأطفال،وبطريقة سهلة.
-نعم يا سي عمّار،على الآباء والسّلطات أن يلتفتوا لهذه الظّواهر والآفات ،فهي خطر على الجميع ،صغارا كانوا أم كبارا. على الأولاد أن يهتمّوا بدراستهم يا شيخ محسن…لا الرّكض وراء المخدّرات.
-وبمناسبة الحديث عن دراسة الأولاد،هل لاحظت يا سي عمّار الانحلال الأخلاقي الذّي وصلنا إليه، والذّي مسّ مؤسّساتنا التّربويّة،حتّى أصبح من العادي جدّا دخول الطّلبة إلى المدارس ،بلباس خارج عن الأصول والأعراف، ولاهمّ لأولادنا اليوم سوى التّباهي بماركات الهواتف ،والحواسيب ، والتّبجه أمام الفتيات.
-صدقت يا شيخ محسن،في الماضي كان المحظوظ فينا من يستطيع الالتحاق بمقاعد الدّراسة،فقد كان التّعلم فرصة تمنح فقط لمن سعفه الحظّ،أمّا نحن فقد كنّا نعمل في الحقول من طلوع الشّمس إلى غروبها، لذلك كان للتّعلم والدّراسة مكانة محفوظة في نفوسنا. -نعم يا سي عمّار،كان المتعلّم في زماننا فخر الحيّ ومن فيه،وكان دخول الجامعة حلما يراود الجميع، ولا يناله إلاّ القليل.
-على الأولاد أن يهتموا بالدّراسة وتحصيل العلم،فهم عماد البلاد،والعلم سرّ التّقدم، وبهذا تفوق علينا الغرب وليس بلباسهم الغريب، وتسريحات شعرهم.
-هذه المناقشة حادّة جدا يا شيخ محسن،لنطلب كأسيّ شاي.
ونادى السّي عمّار على النّادل،كي يحضر لهما كأسيّ شاي،ثمّ استأذن الشّيخ محسن،بالذّهاب إلى مكتب البريد، كي يسحب منحة المعاقين ،ثمّ يعود مسرعا لإكمال نقاشهما ،فراح الشّيخ محسن يشدّد عليه ألاّ يتأخّر ، حتّى لا يبرد الشّاي. وانطلق السّي عمّار إلى مكتب البريد يشقّ جموع المارّة كالسّهم، فحتّى وإن كان يعرج على رجل واحدة، إلاّ أن تخوّفه من الوصول إلى مكتب البريد متأخّرا،قد دفعه للرّكض بسرعة كبيرة. فيحين ظلّ الشّيخ محسن ينتظر قدوم النّادل ومعه كأسيّ الشّاي، وظلّ ينتظر عودة السّي عمّار وينتظر،إلى أن قتله الملل والبقاء وحيدا،يترصّد الصّاعد والنّازل من النّاس،يترجّى ويتمنّى أن يمنّ عليه أحد المارّة ببعض الدّنانير ، يدّخرها لأيّام الشّدة، ولكنّ طوابير البضاعة التّي كانت مصفوفة على الرّصيف في كلّ مكان، قد حجبت النّاس عن رؤية الشّيخ محسن، فالبضاعة غطّت المكان،و”تجّار الأرصفة” يعرضون سلعهم على المارّة، ويترجّون منهم اقتناء بعض من سلعهم المعروضة، وعيونهم على رجال الشّرطة،يتحسّسون قدوم أحد رجال الشّرطة فيلوذون بالفرار،مع سلعهم حتّى لا تصادر من قبل الأمن.
البيع العشوائي على أرصفة الطّريق أصبح منتشرا بكثرة،هي تجارة يمارسها الصّغير والكبير،وحتّى المتخرّج من الجامعة،فالبطالة خانقة،وعلى الرّجل البسيط التّفكير في طريقة لكسب القوت. وفجأة لمح الشّيخ محسن ،من فتحة ارتسمت بين الحشود،لمح السّي عمّار قادما نحوه يجرّ ساقه جرّا،وقد أعيته كثرة السّير وصعّبت عليه الحشود الكثيرة من المارّة ،التّنقّل بسهولة. فلوّح له الشّيخ محسن من بعيد يترجّى منه الإسراع قليلا،فقد ضاق ذرعا من الوحدة.
وصل السّي عمّار وجلس بقرب الشّيخ محسن،ولم ينطق بكلمة،فالتفت الشّيخ محسن إليه،و نظر إلى عينينه الجامدتين ووجهه المحمرّ،ومناخيره التّي صارت تخرج زفيرا شديدا،ويديه التّي شدّ بهما على صدره،وشفتاه التّي أخذتا تتمتمان بكلام لم يصل إلى أذن الشّيخ محسن،فتوجّه له بسؤال:ما بالك يا سي عمّار ،ذهبت إلى مكتب البريد فرحا وعدت حزينا؟
-أخبار سيّئة يا شيخ محسن…أخبار سيّئة.
– ما الجديد ياسّي عمّار؟
-دخلت إلى مكتب البريد فوجدت النّاس يثرثرون عن موضوع ساخن.
فردّ عليه الشّيخ محسن وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة السّخرية:- وما الموضوع السّاخن الذّي غفلنا نحن عليه.
-اسمع يا شيخ محسن…هذا ليس وقت المزاح فالموضوع جدّي.
-حسنا …حسنا ،ماذا هناك يا سي عمّار ،أخبرني.
-وسائل الإعلام اليوم يا شيخ محسن تتداول أخبار انخفاض سعر البترول.
-ومنذ متى نهتمّ نحن ياسّي عمّار بارتفاع أسعر البترول أو انخفاضها،فنحن خارج الدّائرة دائما.
-لا يا شيخ محسن ،أنا في قلب الهاوية…ستقسم الدّولة منحة المعقدين إلى النّصف إذا استمرت الأسعار في الانخفاض وحينئذ لن يكون بمقدوري دفع ثمن فطورك، فأنا وأنت في دائرة الأزمة،فلا تمازحني مزاح الأولاد،أرجوك.
فرفع الشيخ محسن يديه إلى السّماء:يا ربّ ألطف بنا …يا ربّ ألطف بنا.
وراح الشّيخ محسن يواسي صديقه السّي عمّار، يحاول التّخفيف من حرقته على منحته التّي ستخفّض إلى النّصف إذا واصلت أسعار النّفط إنخفاضها… يواسيه تارة بأمل في ارتفاع الأسعار من جديد وانتعاشها،وتارة أخرى بأن الله سيعوّض عليه من جهة أخرى.
فيردّ عليه السّي عمّار بأسى شديد:أتعلم يا شيخ محسن أنّي سئمت من غياب العدالة ،وضقت ذرعا من تهميش الدّولة والنّاس لي؟.
فيمسح الشّيخ محسن على رأسه،ويقول له:”لا عليك يا سّي عمّار…يفرّج ربّي”
-لا يا شيخ محسن” فالحقرة حرام”،أصبحت البلاد اليوم مقسّمة إلى طبقتين،طبقة للأغنياء تعيش في راحة ورفاهية وطبقة معدمة تشقى النّهار بطوله لتجني رغيف خبز.
-صحيح يا سي عمّار،الوضع مزري بحقّ،والمشاكل تغمر الشّعب إلى منخريه:مشاكل السّكن،الصّحة ،البطالة ،العزوبيّة… كلّ هذا يمنع الهواء من الوصول إلى رئتيّه. وأنت يا سي عمّار منحة تقاعدك قليلة ،وأسعار السّوق غالية ،فيحقّ لك أن تغضب ولا يلومك في ذلك أحد.
-تتحدّث عن السّوق ياشيخ محسن…السّوق اليوم هو جحيم وكابوس،فأسعاره جحيم يشوي النّاس،ودخوله كابوس يتبخّر معه حلم الجزائريّ في شراء حاجات البيت…ألا تشمّ رائحة الشّواء وأنت تدخل السّوق يا شيخ محسن؟.
وجعلت روح السي عمّار المرحة، الشّيخ محسن يطلق ضحكات عالية ،ثم قال:
-لا يا سي عمّار فأنا طلّقت السّوق منذ زمن بعيد،فنفسي لم تعد تقوى على رؤية المنكر.
-صدقت يا شيخ محسن ،عمّ الخداع والغشّ واستغلال المستشري،والتّلاعب بأسعار السّوق اليوم،لا متنفّس للنّاس اليوم،فالكلّ ينهش عظام الفقير.
فردّ عليه الشّيخ محسن: صدقت صار التّجار يركضون وراء الرّبح ولو على حساب الضّعيف.
وساد صمت رهيب ،ولم يتكلّم أحدهما للآخر مدّة طويلة،وبدأ الملل يدبّ في نفسيهما،وراح سي عمّار يحدّق في شايه فيحين التفت الشّيخ محسن إلى التّلفاز يشاهد أخبار اليوم،وأقبلت المذيعة ،وصارت تذيع الأخبار، فصاح الشّيخ محسن:
-يا حفيظ يا ستّار…أخبار القتل والدّمار على الصّباح.
– القاهرة تلتهب نارا…
-ليبيا تحترق….
-الأزمة في تونس تتفجّر…
-غزّة تحت الدّمار…
-سوريا كلّها خراب
-العراق تحت وقع الإنفجرات….
فصاح الشّيخ محسن: يا لطيف…. ماذا أصاب أمّة العرب اليوم؟
فردّ عليه السّي عمّار: الأنظمة العربية تنهار الواحدة تلوى الأخرى “كلعبة الديمينو”.
-هل هذا هو الرّبيع العربي يا سي عمّار….؟الخراب والدّمار والقتل والتّجويع والتّرميل وال….
-مظاهر الفساد والتّسيير السّيء،دائما تثير غضب الشّعوب،وهناك دائما طرف ثالث يستغلّ الوضع،ويسيّر الأزمة بما يخدم مصالحه غير آبه لا “بشباب الثّورة “ولا “بنظام الدّولة”.
-يا سي عمّار،في الماضي كانت الدّول العربية تتّحد لمواجهة عدوّ واضح ومشترك للجميع،هو إسرائيل، أمّا اليوم فقد فرضت إسرائيل وجودها في المنطقة، وراحت تمسح بالعرب الأرض، فقد تفرّقوا وبهذا ضعفوا وسهل عليها قتالهم، وأقول لك يا سي عمّار،أن لها يد في هذه المؤامرة.
-صدقت فأعين الغرب متّجهة صوب خيرات المنطقة منذ زمن،وأطماعهم في خيرات المنطقة،تجعلهم يسلكون
كلّ السّبل للاستحواذ عليها.
-آه ياسي عمّار ،كان على الشّباب العربي التّفطن لمثل هذه الدّسائس التّي تحاك ضدّ البلاد العربيّة،
وعدم السّماح للغرب بالتّدخّل في شؤون المنطقة ،وتحويلها إلى حمّام دماء.
– هل يظنّون أنّ من ينعتنا بالإرهابيين ،والقتلة ،والبرابرة والهمجيّين،واستعمرونا سنين،واستعبدونا قرون
– يريدون بنا خيرا؟
-الدين الإسلامي دين تسامح،ولا علاقة له بما تجنيه أيدي البعض من أنفس بريئة،ولو تدبر العرب والمسلمون في عقيدتهم لوجدوا كل الحلول لمشاكلهم.
واستعر الشيخ محسن غضبا من الوضع الراهن لأمتنا، وراح ضغط دمه يرتفع، وبدأ قلبه يخفق بسرعة، ويدفع الدم إلى رأسه، وهو يستذكر المحن التي مر بها، وظل يسب ويلعن كل شيء،النظام والدولة والمجتمع،والناس وحال الأمة اليوم،والفساد السياسي والرشوة والمحسوبية، والتلاعب بالمال العام، والجوع الذي سكن بطنه منذ زمن بعيد ورفض الرحيل، والصداع الذي أصابه من كثرة ما رأت عيناه من المنكر،وظل على هذه الحال يسب ويسب… وفجأة أسند رأسه على كتف السي عمار،ولفظ آخر نفس له في هذه الدنيا،بعد أن صلّى على النّبي محمّد، وشدّ على يد السي عمار،وكأنّه يجو منه مسامحته لأنّه تركه وحيدا، فيحين صاح السي عمّار:لماذا رحلت يا شيخ محسن وتركتني أغرق فيها وحيدا..

أضف تعليقاً