لم تَكُن لقِصَّتها أنْ تَنَامَ كَأصْحَب الْكهْفِ؛ فَهِيَّ مَاتزَالُ تَزْرَعُ أحْلامَها الوَرْديّة عَلى الفيْس بُوك وانْ كَانَتْ مُكفَّنةٌ بالضّبَابِ، تسْعَى جَادَة للتخَلصِ من سَطوَةِ المكَان وتَتفَاعَل مَعَ الذَّوَاتِ بحَذَرٍ، لتَخْلعُ عَنْ نَفسها هَواجسَ تُطاردُ مَشَاعرَها المَطمُورَةِ، تُحَاوَل أنْ تسْلك مَسْلكًا مُؤدّيًا آمِنا ؛ وقدْ جَاءَ منْ يَطلبُ ودّها فأخَذَتْ تتردّدُ
1 – بِقامَتهَا الْفَارهةِ وَوَجْهِهَا الصَّبُوح؛ تَقفُ أَمَامَ بَابَ الْحَديقَة كُلَّ مَسَاء تُمَارِسُ دَوْرَ التجَاهُل وتُحَاوِلُ التَخَلُّصَ مِنْ جَلِيدِ الصّمْتِ، تلهُو بنَفْسِهَا طبيبَة أسْنَانٍ، الأمَلُ يَمْلأ قلبَهَا والكبْريَّاءُ، تتوَغّل في مَتاهَاتِ أوجَاعِها، تَمْتطِي مَرَافِئ غُرْبَتِهَا مُتلفعَة بآهَاتِها والفُؤادُ وَلوعٌ، وَعَلَى تُخُومِ الزّمَنِ تَمُدُّ بَصَرَهَا بَعِيدًا بَعِيداً امْتِدَادَ الأُفِق مُحَدِّقَةً فِي الْمَدَى، تَتَأمّلُ بدَائِعَ الْكوْن وَعَلَى شَفَتيْهَا تَتزَاحَمُ الْعِبَارَاتُ، تَقرَأ كتَابَهَا، ترْوِي ظمَأهَا، تَنثرُعِطرَمَوَدّتِهَا، وَعَلَى الوُجُوهِ الْعَابِرَةِ ترْسُمُ غِبْطَةً، فَتاةُ مَيْسَاء جَمِيلَة مَخْمليّة الشَّكْلِ، بَهيّة الطلعَةِ، نَاعِسَة العيْنيْنِ نَاعِمَة الْمَلمَسِ، ضَحَكاتُ الأمَلِ تَتَرَقْرَقُ في حُنْجُرَتِهَا كنبْعِ سَلسَالٍ، بَشُوشَةٌ حَدَّ الخَجَلِ؛ سَادِرَةٌ في الشَّوْقِ تَرْسُم خُطَاهَا، في مَلامِحَهَا ضيّاء، لم تكن تتوّقعُ أنّهَا تقعُ في فَخّ العَادَاتِ فَتتزوّجُ أبنُ عَمّهَا مُكرَهَة وليْتَهُ كَانَ كُفئاً، الزَّوَاجُ الفَاشِلُ بِدَايَةٌ لحُلم مُنطفِئٍ، تحْزَمُ أشوَاقَهَا تحْتَ ابْطِهَا وترْحَلُ، يتعَاظمُ الخَطبُ وتَخِيبُ الأمنيّات وتَسْأمُ الانتظار، ولم تلبَث أنْ انْفَصَلت عَنْهُ برَغْبتها ورِضَاه، بقيّت هُناك في (الدّوحَة) تُعَانِي من رَائحَة الأدْويّة ومَرارَةِ الغُربَةِ القاسِيّة ويَطالُهَا الحَنينُ. تَطرُقُ بَابَ السَّعَادَة بحَذَرٍوتَبْحَثُ عمّن تَتوسّمُ فيهِ القدْرَة على احْتوَاءِ أحْلاَمِهَا، لم تكتَف بالحُلم بل رَسَمتْ الخطوَات الذكيّة لتحْقيقِهِ، شيْءٌ طبيعيٌّ أنْ تُفكِّر في ارْوَاء حَاجَاتها الفطريّة، كيْف لا وَهيّ امْرأةٌ أصيلةٌ ولا فَخر؛ والمَعْدَنُ يُعرَفُ من رَنِينِه كمَا يُقال، هِيّ فَاتِنة جَمَال، قويّة الشخْصيّة؛ تثقُ في نَفسهَا كثيرًا، لكن الشبَابَ أبْطرتْهم النِّعَمُ وأعْمَالُ الترَف، ولم يَسْتهْوِيهِم سِوَى الطيْش وفسَادَ الرَّأي، بَقيّت تَبتهلُ على مَآذن الغُربَة، إلى أنْ حَط ّعلى نخلة العُمْر رَجُلٌ الْتَمعَ عيْنَيْهَا وهيّ تُعَانقُ الشّاشَات الحَزِينَة في كبْريَّاء وصبْروأطيَافُ الليْل حَائرَةٌ، وما أوْجَعَهُ من انتظار يُشْبهُ الأنين..ǃ تُبَاركُ اللقاء، تسْتعطفهُ فيَشْفقُ عَليْهَا، ولايَفتأ يُحَدِّثهَا عن القلوبِ النقيّةِ المُتفتحَةِ عَن الخيْر والرّحْمَةِ.
2- هُو رَجُل خَلوقٌ طيّبُ السّريرَة شَفوقٌ مَرحٌ بليغُ العبَارَةِ، يكبرُهَا بنِصْف عُمْرِهَا، تَستأنِسُ به فِي غُربَتِهَا وتَطمَئنُّ؛ تُنصّبهُ فارِسَ أحْلامِهَا وأنِيسِهَا في وحْدِتهَا، وَهَلْ الصَّداقة تَتحوّلُ إلى حُبّ ؟ǃ أجَلْ..هَذا ماحَدَثَ.ǃ شَغَفهَا بِهِ حُبٌ عَفيفٌ، وحَالَتْ بَينهُما المَسَافَاتُ فسَكنَتْ أرْوَاحُهُمَا أوْجَاعًا في غيَاهِبَ الأفُقِ، يَتوَاصَلاَنِ عَبْرَ الشَّبَكَاتِ العنكبوتيّة؛ بَارعَةٌ هِيَّ في تقنيَّات الاتِصَال، مُتحكّمَة في أدوَاتِهَا، لم يرَاهَا في حَيَاته فرَأتْهُ وتعَلقتْ به؛ ولم ترَاهً فرآهَا وأعْجِبَ بجَمَالِها وعِفّتِهَا وسُلُوكِهَا، حَمَلهَا إليْه كفُّ النّسِيم كفرَاشَةِ الرّبيعِ المُخضّبَةِ بشَذَى عِطرِ الزُّهُور، تسْتنْشِقُ عِشْقَهُ كلّ مَسَاء، تُبيحُ له بأسْرَارهَا، فيَفتحُ لهَا نَوَافذ قلبِه مُشَرَّعةً ويُسْكنِهَا نبْضَه، يُلبَسَها أوْرَاقَ الوَرْد الندِيَّة، يتمَنَّاها أنْ تَتدارَك مَا فَاتَ والفُرَصُ مُتاحَة، يَرَاها مُبتسِمَة كَنَهْرٍ مُضِيئٍ، فترَاهُ غيْمَة صَيْفٍ بألوَانِ الطَّيْف، تزدادُ سَعَادَتُهَا وتَطمَئِنُّ، وفي لقائِهِمَا لذّة تُضِيئُ ديَاجِيرغُربَتِهَا، كلمَا سَكن الليْل يَزْدَادُ الشَّوْقُ، تذُوبُ في حُبّه الطاهِر البَرِيءِ ويَذُوبُ فِي بَرَاءَتِهَا، وعِنْدَما يَنقطعُ التَوَاصُل تلفُّ قلبَها سَحَائِبَ الحَسْرَةِ وتبْكِي حَظهَا، تسْقُط ُعَلى سَريرِهَا كَجذْع نخْلةٍ، تَرْفُسُ اللِّحَافَ بقوَّةٍ، ترْفعُ رَأسَهَا عَلَى الوِسَادَة تَخْفَضُه، تُفرِكُ كَفَّهَا بِبَعْضِهَا، تحشُر يَديْها بين فخِذيْها، شَعَرَاتُ رَأسِهَا مُبعَثرَة تُهَدْهِد فَوْقَ جَبينِها، وَفجْأة تبْتَهجُ لرَنَّاتِ الهَاتِفِ المُرتَعشَة، تسْمَعُ صَوْتهُ ويَسْمعُ صَوْتها فتَخْجَلُ، تكتَحِلُ بصَرْخَة بَوْح عَابِقةَ بنَسَائِمَ الوَجْدِ، فِي جَوْفِ الكَلمَاتِ هَسْهَسَة مَرْشُوشُة برَذَاذِ يَسْقَي الحُرُوفِ المُتَنَاثِرَة بدَفَق عِطْرِهَا، عَلَى ضِفَافِ النِّهَايَات صَوْتُ مَعْشُوقها المُجَلجِل يُعانق قَهْقَهَتِها الرَّاعفة، تتَحدّثُ إليْه بِدَلاَلٍ وترَى فِيه مَلاذَها الآمِن، يتحدّثُ إليها بصِدْق ولبَاقة ولُطفٍ، يَفْهمُها فتفهَمُه، تريدُه زَوجًا فيَرْتَعِشُ، يَرَى فِي ذَلكَ اجْحَافًا لها واهْدارًا لوَقتها؛ يُقنعُهَا بأنّه لا يَصْلحُ لهَا زوجًا وتُصِرُّ عَلى ذَلك، ثَمِلتْ بكَأسِه وبَاتَت أقرَبُ إليه من نيَّاط القلبِ، القلوبُ كالغيْمة الحَالمَة تَعِدُ دائمًا بغيْث مدْرَارٍ، لم تعُد قادرَة عن الاسْتغْنَاءِ عَنْه وهولايَتأخَّر عَنْ لقَائِهَا، أوليْس العِشْقُ سُبَاتا هَائِماً؟ إنَّه يُسَافِرُبِالمَعْشُوقِينَ فِي مَوْكِبِ الْوَجْدِ، ويَفزَعُ فَي كَفِّ اللَّيْلِ الْمَمْدُودِ، كَانَ يُقاسِمُها هُمُومَ غُربَتِهَا ويُومِئ ُإليْها بأنّ: “..كل عُقْدَة ولهَا ألفُ حَل..”كانت فِي المَسَاء تودّعُه الودَاع المُتلعثم فيُصْغِي إِلى نبَرَاتِها الرَّاعِفةِ، وفِي الصَّباح تُنعشُه بِصَوْتها الرَّخِيم.
3- لم تَكُن لقِصَّتها أنْ تَنَامَ كَأصْحَب الْكهْفِ؛ فَهِيَّ مَاتزَالُ تَزْرَعُ أحْلامَها الوَرْديّة عَلى الفيْس بُوك وانْ كَانَتْ مُكفَّنةٌ بالضّبَابِ، تسْعَى جَادَة للتخَلصِ من سَطوَةِ المكَان وتَتفَاعَل مَعَ الذَّوَاتِ بحَذَرٍ، لتَخْلعُ عَنْ نَفسها هَواجسَ تُطاردُ مَشَاعرَها المَطمُورَةِ، تُحَاوَل أنْ تسْلك مَسْلكًا مُؤدّيًا آمِنا ؛ وقدْ جَاءَ منْ يَطلبُ ودّها فأخَذَتْ تتردّدُ، ثمَّ تستأذِنُ مَعْشُوقَها الذْي يَسْكنُ الأحْدَاق، لم تستطعْ أن تتَخَلَى عَنْه؛ تَنْدَلِق الدُّمُوع شَلاَلاً تَغسِل العُيُون، وتُضِيءُ عَتمَة الرُّوحِ المُعَذَّبةِ قبْل الرَّحِيل؛ صَحَا عَنْ رِسَالة قَصِيرَة تدْعُوهُ لحُضُور حْفل زَفَافِهَا، وَهُو الذِي سَكنتْ أعْطافَ قَلْبِه، أسْرَعَ بالرَدِّ بِهَاتفِه الجَوَّال: أغْبطهُ وأحْسُدُ نفْسِي لكوْنِي أشْعُرُأنّكِ موْجُودَة في وجَدَانِي وسَتظلين، قالهَا واجْهَش بالبُكاء، رَدَّتْ عليْه: أنْتَ تَسْكنُ سُويْدَاء القلْبِ وَلَكِن..؟ فأجَابَ بصوْتٍ حَزِينٍ فيهِ حَشْرَجَة: لَيْسَ بِاليَدِّ حِيلَةٍ ǃ ومَاهيّ إلا سَاعَات من عُمر الزّمَن قضَاها في الطريق ليَكونَ في مُقدّمة الحَاضرين، يتسَرْبَل فِي بذلة أنيقة، تسْتقبلُهُ مُتجَرْجرة في مَلابسَها كأنَّها أميرَةٌ، أوْمَأت الأحْدَاق فأحَسّ برجْفَة في قلْبِهِ، خمَّن أنَّمَا يَحُسُّه قريبٌ من أحَاسِيسِهَا، الرّجَال يَقرأون عُيُون النّسَاء، تبش في وَجْهِه في اسْتكانة لَهِيب، تحْتضِنُه في دَهْشَة الوَصْل بِخِفَّة ورَشَاقَة مُقبّلة رَأسَه، فيقبّلُ بَاطن كَفِّها وحَدِيثُه أقرَبُ إلَى الهَمْسِ، تتورَّدُ وجْنتَاهَا ويَفيضُ الضيَّاء، تتهافتُ الآهاتُ على شفتيْها كالشَّهْقَة وتنتابُهَا رهْبَةٌ واعْتزَازٌ، والمَرَأة لا تهْزمُها الغُربَة، لكن لايَهْزَمُ الرِّجَال غيْرَ النِّسَاءِ، تقدّم إليْهَا بهَدايَاه والعُيُون دَامِعَة، والأيَادِي تَمْتدُّ مُرتَعِشَة، تنْقشَعُ مَشَاعر الحُزْن وَتَزُولُ المَخَاوِفُ، ترْتسَمُ ابْتسَامَة عَريضَةٌ عَلى ثَغْرهَا وتُفرَجُ عَنْ سِرْبٌ من ألوَزِّ وعُيُونُها مَاتزال فيهِ مُحَدَّقة كَأنَّهَا تَحْتمِي بدِفئِه، يَنتَبذُ مَكَانا في الصَّدارةٍ يقتات على الذِّكْريَات، يُوزِّعُ ضَحَكَاتٍ مَرشُوشَةٍ بنَسَمَاتِ الصَّباح الْعَابِقةِ بالأرِيجِ، يُسَافرُ في مَوكِبِ الوَجْد يُلمَلمُ دَواخِله ويَحْنو عليها حُنوًا بَالِغ الشَّاعِريّة كنَهْرٍ مُضِيئ، يَنْبَهِل النُّورُ بَيْنَ يَديْهَا مُتلألئًا لتَعيشَ في كَنَفِ الموَدَّة والرَّحْمَة…ظلتْ وَفيّة لحُبِ عَفِيفٍ يَسْكنُهَا كالضيَّاء، وتشْمَلُهَا رُوحُ السّكينة مع زَوْجٍ كَرِيمٍ تسْترجِعُ مَعَه أمْنيَاتهَا الهَاربَة وتَنْتَفِضُ مِنْ وَهْم الذَّاتِ؛ يَترقرقُ الأمَل كنبْع سَلْسَالٍ، وللعَوَاطفِ مُتَّسعٌ مِنَ الاشْتِهَاءِ، امْرَأَةٌ تعُودُ من العَالم الافترَاضِي إلَى يَقظةٍ الوَاقِع تَسْتَحْلِبُ الدِّفْءَ، وفِي يَدِهَا الْيُمْنَى إكليلٌ ورْدٍ وكَمَائِمَ من الرَّيْحَان وفِي اليُسْرَى زَهَرَاتٌ شَذاهَا يتضَوَّعُ عِطراً، تَتلعْثمُ مُطرِقَة بالأعْذار وتعْزِفُ على أوْتَارِ الشّوْقِ ترَانِيمَ آهَاتٍ تُهَدْهِدُهَا؛ فِي كفّهَا عِطرٌ وفِي القَلبِ حَنينٌ..ǃǃ