1- في لحْظة ضعْف وانفعَال، وبحُجَّة أنّ الطفل لا يُشبههُ،غمْغم ودمْدَم بكلمات نابيّة قاسيّة حدّ التهور، ثارت ثائرته وهَاج كالجَمل هادرًا، العُنف مَصْيَدة الشياطين والمُغفلين، حملقت فِيه {آمنة } مقطبة جبينها، وهيَّ غير مُصدّقة لما قال ويقول.. تتسَاءل بوَلهٍ واستياء، هل المرأة تختار لنفسها ماتنجبُ؟ وهل هيّ مسئولة عن لون الجنين وشكله؟ إنها تقفُ في دَهْشة وذهُول، تنظر إلى ذلك البرْذون نظرة ازدرَاء واحْتقار، وقد ثقل بالهمِّ لقطه،واسْتبق الصُّراخ سَمْعه، فانبرت تدفاع عن نفسها، لكن حلقها الجَاف لم يُسْعفها، في أن توَاجه ثوْرَة وحْش صاخب، ياللعَجب ؟! يعتزمُ رمْي الرّضيع من النافذة! ما ذنب الصبي؟ تعترض سبيله بقوّة، تصرخ في وجهه صراخات المفجوعة، تفتكه من بَيْن مَخالبه، يتدخل افرادُ الأسْرة، يُخمِدُون نار هيجانه، بعد هدُوء قالت: إن كان لا يُشبهك يا قليل الحياء فما الغرابة ؟! وإن كان يُشبه أمّهُ فما ظلم قال: أنت طالقٌ..قالها بصلف..علت زغرودتها مُولولة، وقالت: ما اغباك من كائن مُتوحش؟ وعلى الفور ادارت ظهرها لتقطع عليه الحديث وتخلط أورَاقه..مشت.. ترنّحَت.. أحسّت بالأرض تهوى تحت قدميْها، للتو اسْتعادت وعْيها، ووقفت كالنخلة السامقة وتسْمعه كلاما فتقول: ذلك مُا كنا نبغ، إنها كلمة انتظرتها بشوْق ولهْفة، ولكم هيّ سعيدة بهذه العبارة، حتى وإن كان”..ابْغض الحلال إلى الله الطلاق..” سَعيدة بهذا اليوم الجَميل، الذي تخلصت فيه من حمل ثقيل، جُرحٌ نازفٌ لثمتهُ شفتاها بخُشُوع، أنين وجيعٌ باحَتْ به مُلتاعَة، تخلصت من جاهلية الجُهَال، من رُويْجل مُتوحّش، وفزعت ترتب حقائبها على عجل، تحْتضنُ رضِيعَها بحنان، تضمُّهُ إلى صدْرها، تتأرجحُ في عطرها كما يتأرجحُ الياسَمِين عِقدًا في جيد حَسْناء، ترفعُ صوْتها الناعم وتقول: لن تراه أبدًا بعد هذا أليوم أيُّها الشقيُّ ! تعْتريه نوبة من الضّحك والذهُول..تترَفرفُ العَواطف، يَشتدُّ هَدير العواصف، ويُغشى عليه، بينما هيّ تطلق سَاقيها للرِّيح.
2-ترعْرع الطفل في حضن أمّه، وقد قطع مراحل الدراسة بنجاح، إلى أن تخرج طبيبا، ذات نِسْيَانٍ دخل الشيْخُ المشفى لإ جْراء عمليّة جراحيّة، كان يُعاني الاهْمال والفقر المُدقعَ والتسْويف؛ كان يتلوى من الألم على سرير المرَض، يُخفي أحزانه، ولايدري على أيِّ جنب يتكئ، يتوضأ بالضَيَاع، ينظر إلى الفتى الطبيب نظرة استعْطاف وهو حسير، تغشاه حيْرة، تستفزُّهُ أسئلة غريبة، يتودّدُ، إنه يُشبهه تماما..ياللعجب..! يعتنى به الطبب لما اكتشف أنه والدُه، ذات ضُحى كتب ورقة وضعها تحت رأسه {من شابه أباهُ فما ظلم} قرأ الطبيب العبارة وأبتسم ثم كتب أسْفله، هل تعرف معنى الظلم؟ إن كنت لا تعلم ذلك فالظلم ظلمات..فكتب أسْفل العبارة..ليس على الجاهل الغافل حرجٌ، يوْمها كنتُ أعيش ظلمة الحياة.. مخدوعًا.. مَفتونا..مُتأزمًا..أنا ظالم إي والله ، سَامحني ما عرفت النور في حياتي أبدًا إلا في هذهِ اللحظات المُهرّبة من بُؤس الأيّام؛ إني وُلدت من جديد، فهل تغفر لي ياولدي؟! هي ذِي اللحظة الرّهيبَة قد حلت، أدرك كلامها واسْترجع ما قالت له ذات غضبٍ وهيَّ تغادر البيت: لن تراهُ بعد اليوم أيُّها الشقيُّ ! وها أنذا أرَاك طبيبًا..! شعر باللوْعة والأسَى وبالألم المُمضى، إنه ظلمها، بالغ في الاساءة إليها، يتقدم منه الطبيب ليسأله عن أحواله فيطأطأ رأسه، يتلعثم مطرقا بالأعْذار، لسْت ادري ماذا حدث ؟ بعد أن افترقت مع والدتك عشت الضياع، تزوجت سَبع نساء، كان مصيرهن الطلاق، لاتوجد امْرأة يُمكن أن تمنحه حُبا مثل حُبها، {آمنة} سيدة النساء الفضليات، قضينا أجمل أيام الأنس وأسْعدها، لن أحدثك أو أبكي أمامك، إنّ الامر فوق طاقتي، إنه يعيش في المدينة على التسوّل مُتصعْلكا، قد ضاعت منه جميع مُمتلكاته، هويسْكن غرفة ضيّقة يُفتح بابها على شارع مهجور.
3- يتذكر أنّ كل شيء يطوف بمخيلته كأنه حدث بالأمس،لا تزال الذكريات محمّلة في حقائب ألأيام، تبًا لمن كان حظه نكدًا مثله، تحشرجَ صوْتهُ وأجْهَش بالبكاء، تعثرت الكلماتُ فوق شفتيْه أكثرَ من مرّة، كان حديثه ثقيلا مُتقطعًا مُبعثراً يتجرّع كأس الذل والمرارة، يقول: إنهُ لا يلومُ أحدًا، ولن ينسى لابْنه الطبيب هذا الجميل؛ الأمْسيات البائسة تبيح بالإثم..أجل.. كل الذي كان لم ينقذني، فياويحي من جاهل غافل، فجأة أقبلت آمنة أمِّ الطبيب مع ابنتها الكبيرة وزوجة ابنها، كانت تتجرجر.. تتباهى، تقذف بشعرها إلى ألخلف، ينظر إليْها مُبحلقا، يُحِس بالدّماء تفيض من وجهه، يكاد أن يَصرُخ بأعلى صوته،{آمنة}.تبحلق فيه، فيصابُ برعشة وتجْحظ عَيناه، يصفرّ وجْهه، تتدفق من حُزنه الأنهار، يبكى لفرط حنينه بُكاء مُرًّا، يسْتدْعى تِلك الأيامُ الخوَالي مُتوسِّلا، ما أتعس أيام الفراق! وما اغرب امر هذا الرجل! إنهما يتنادمان على كؤوس الذكريات، والجراحُ تُنسيها الجراح، ترْتعَش أجْفان آمنة لما رَأته على تِلك الحَال، يجْتاحَها غضبٌ شديدٌ، وألمٌ وجيعٌ، تقول في نفسها، من جاء بهذا الشقيّ إلى هُنا؟ كيف تغسل من صَدْرها ذكراه؟ وهل لها أن تنسى ذلك أليوم المشؤوم؟ لكنها تتراجَع وتُمسك بخيط رقيق من النور، مودة ورّحمة وتشفق عليه، تتفجر الأشواقُ في داخلها عِطراً يفوحُ، تهزّ رأسَها مُتنهدة وتقول: المُسَامح كريم، إنه يتدثر أسْمَال هزائمه مُحْبطا، وعلى وجْههِ غلالة من الحُزن ومسحة من المُعاناة، تتألمُ وتدمعُ عيناها،عندما تراه يتزحلق تحْت البطانية ليخفي وجهه خجلا، يلتزم الصّمت، كأنّ أحاسيسه تبخرت مع دُموعه، لم تبق له إلا زفراتٌ خافتة تشبه شهقات الموت، ادخلت يدَها فى مِحْفظتِها، أخرجت مَبْلغا من المَال، قالت لزوجة إبنها سَلمِيه المبْلغ، طمئنيه واطمئني على صحّته، إنهُ والد زوْجك، وتتحدّث إلى إبنها الطبيب، وكانت نوادر الطفولة حَاضرة بقوّة، عادت الفتاة وهيّ تقول: أغبطك سيّدتي على إحْسَانك وتسَامُحك وسُموّ أخلاقك، إنه يحْترق، وفي لحْظة الدّهشة قالت لابْنها رجَاء.. تكفل بوالدك وأصلح أحواله، فما الحياة إلا شريطٌا من الذكريات يمر كالطيف سريعا ليختفي في بلوعة الظلام.
