النص للكاتب أحمد كاظم
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
نعلم ان ما تقدمه القصة ق ج من تقنيات وصور وملامح قصصية وتأويلية لا يمكن أن يقدمها أي جنس ادبي أخر، فالغزارة الايحائية تتمثل في جملة واحدة تكثف الفكرة والمشهد، ليمتد في ذهن المتلقي واسعاً ليشمل مساحات هائلة من التعبير والأفكار، فكما الكون بدأ من كتلة مكثفة هائلة الكتلة وبالغة الصغر، بانفجارها ملئ الكون بالكواكب والنجوم ولا زال يتمدد، هكذا هي ماهية القصة ق ج، تبقى تتمدد في ذهن المتلقي الى ابعد من حدود مساحتها وكلماتها.
خير مثال على ذلك النص الذي لدينا للكاتب الصديق كاظم أحمد، يبدأ النص بعنوان صور.. هذه اللفظة التي تفتح لنا ابواب التخيل الكثيرة، صور هي الذكريات وهي مشاهد الحياة وهي الحوادث اليومية وهي المآسي التي نواجهها يومياً، هي لحظات مرئية لما حصل ولما سيحصل، تصوير للفكرة في شكل كلمة، انها عنونة موفقة جداً، تساعدنا على الولوج الى متن القصة بتحفيز كبير وبتشويق لانتظار رؤية الصور التي بدأ ذهننا في تخيلها.
يخلق متن النص رؤية بانورامية للمشهد في بداية القصة، ففي الجملة (يتزامنان بالتقاط المنظر) يخلق توازي موزع بين شخصيتين، هو ابتكار قصصي مميز، أدخل على النص تركيز بؤرة الحدت على نقطة واحدة، رؤية متناظرة الى العينين، في نفس الوقت ينظران الى نفس المشهد، وفي نفس الوقت تتلاقي نظراتهما، هنا يبدأ الانفجار الكبير للقصة وللفكرة، فالرؤية التأملية هي نظر الى الداخل الروحي كما قال الصوفي محمد بن عبدالجبار النفري، (فالرؤية رحبة روحية مطلقة، بينما الكلمات بطبيعتها مادية قاصرة)، الحدث هو رؤية ونظر، فهي صورة ومشهدية واسعة وكأننا نراقب فلم سينمائي، ثم يأتي تفصيل هذه الرؤية (بوح المقلة اليمين أقوى)، هي تكملة للمشهد الصوري الروحي، فتأثير جهة اليمين أقوى فهي تقابل جهة اليسار جهة القلب، فحسب المنطق الاسطوري، فان رفة العين الشمال فأل سيء، لذلك ربما التجأ الى اليمين لتمتين الرؤية الداخلية للأخر، فدلالة العين هي أداة ورمز للرؤية العقلية ورمز للشمس والقمر وللمقدس الداخلي، فكل هذا الدفق الدلالي ينطلق من الكلي الى الجزئي والى التفصيل المتمثل هنا بتوافق النظرات بينهما.
فالرؤية هنا مائية حسب باشلار تتراوح بين التدفق والتجمد بين الكثرة والقلة، وبين الرطوبة (البحر) والجفاف. اذاً هو انتقال بالرؤية من الجفاف الروحي الى الكثرة العاطفية (البحر)، هكذا ينتقل بنا الكاتب الى القفلة المميزة التي تنتج الكثرة الروحية، والفيض الروحي الذي يؤدي الى ارتباط الثنائي في القصة، (انطبعت لوحة بالعين والنسب). نرى الانتقال الى التعلق العاطفي والاندماج الروحي.
فالقراءة الأولية للنص تعطي انطباعاً عن مشهد رؤية ونظرة بين شاب وفتاة وبعد نظرة متعمقة بينهما الانتقال الى الارتباط الأبدي، ولكن هذه الرؤية تبسيط سطحي وغير دقيق للنص، فالرؤية المتزامنة هي رؤية للإنسان ومصيره المؤجل دائماً الى أجل ينتظره، هكذا تكون الرؤية الروحية الى عمق مشاكله والى مصاعب الكون المتعمقة بكينونته الأزلية، فالعلاقة التي تؤسس على الاندماج الروحي المتمثل (ببوح المقل، وانطباع اللوحة بالعين والنسب) هو تأسيس لوجود كوني جديد، يقوم على الحرية في التمثل الوجودي الحياتي والروحي والعاطفي، والانطلاق والبعث لبارقة ضوء تنير عتمة الحياة، فتلاقي النظرات في بداية النص، هو عملية تكثيف لنقطة بداية جديدة، تسبب انفجار كوني يحرر الطاقة الكامنة فينا، هي لحظة ولادة جديدة، وهي لحظة تحرر من ماضي ومن قيوده، ومن ورم كوني يهشم تتابع حياتنا.
ما قد نأخذ على النص هو وجود جملة (في غرفة المعالجة)، نراها لا تخدم النص كثيراً، وان كانت تحدد مكان الحدث لكنها قد تشرح قليلا منه ولا تساعد القارئ على التخيل، ولكن نعلم أن القصة ق ج، لا تهتم بالمكان الفعلي بقدر ما تهتم به كأفق حاضر في ذهن الكاتب والمتلقي دائماً في الكون، وفي أية لحظة، سابقاً بالفعل الماضي، أو حاضراً بالفعل المضارع.
نص مميز فعلاً بسرده وتكثيفه، قدم ملامح تأويلية ايحائية عميقة، وبنفس الوقت ليست غامضة، كحال النصوص في القصة ق ج، يجب أن تقدم قيمة سردية وتكثيفية وتأويلية مهمة، وإلا تفقد أحقيتها وقدرتها على التزاحم على ساحة القص.