“ما أكبرَ قلبكَ أيّها الحزنُ حتّى وَسِعَ كلّ هؤلاءِ المنفييّن إليهِ ”
التَناقضُ سِرّ، يَدفعُني، يُحرّكني، وهذهِ المشاعرُ ، عندما تتَضاربُ، وتتَصارعُ مع الأفكارِ، تُوجِعُ رأسي.. فأُغلقُ بَوابةَ التَفكيرِ، لتبقى الإجابةُ مَدفونةً في جَوفِ الذاكرةِ، وبينما يبقى السؤالُ فاغراً فاهُ..؟
ولكن في المُحصّلةِ، يكفي أنّني آوي إلى بيتي، و قد غَمرتْني حالةٌ من الفَرحِ، أحملُ بين َجوانحي سَعادةً لا حدَّ لها، ومن بعدِها فليكنِ الطوفانُ..
صارَ الفرحُ عندي مَقْروناً بهذا العملِ المحبّبِ إليّ، والذيْ اعتدتُ على مُمارستهِ، فغدا جزءاً من ذاتي.. حتّى أنّ رئيسيَ في العملِ، طلبَ منّي أنْ أستريحَ منهُ، لأنّي شَارفتُ على الَتقاعدِ، لكّنني رَفضتُ..
– يا عبدَ اللهِ ما رأيُكَ أنْ تَعودَ إلى الدائرةِ الفَرعيةِ ؟
تَجلسُ وراءَ طاولةٍ، تُمضي بقيّة أيامِ خدمتكَ في الوظيفةِ..
– سيّدي العَملُ يجعلُني أكثرَ شباباً، السّيرُ في الشّوارعِ ّينصحُ بهِ الأطباءُ لمرضِى القلبِ.. وأنا أمارسُ في عملي، هذهِ الرّياضةَ التي تطيلُ العمرَ..
فيردّ المديرُ: كما تشاءُ، أريدُ راحتَك.. لا أكثرْ، لأنّكَ من أكثرِ العاملينِ نشاطاً في مؤسستِنا.
– شكرا ًسيّدي أقدّر عطفَك عليَّ..
كنتُ أقولُ له ذلكَ وأنا أداري وجهي، وأتحسّسُ ألم َقدميّ، ومفاصِلي، وأعلمُ أنّيْ أكابرُ، وأنْ إسفلتَ الشّوارعِ و التعب بلغَ منّي مبلغَهُ..
منذُ سنواتٍ أدمنتُ قرعَ الأبوابِ في الحاراتِ والأزقة، أحملُ سِجلاًّ وقلماً وكمّاشةً، أقرأ أرقامَ عداداتِ المياهِ في البيوتِ والمَتاجرِ.. أدوّنها على صَفحاتِ سِجلِّ صرفيّاتِ المياه.
أصبحْتُ أعرفُ أماكنَ توضّعَ العَداداتِ.. خَلفَ الأبوابِ.. في الممراتِ.. تحتَ الدّرجِ، أعرفُ أسماءَ أصْحابِها، وورثةَ منْ ماتَ منهم.
صِرتُ معروفاً لدى أهلِ المنطَقةِ، وخاصّةً سُكان أبنيةَ الصّفيحِ و المناطق المُحيطةِ بالمدينةِ، الجَميعُ يستقبلُني، بعضُهم مُتجهّمَ الوَجهِ عابساً.. وآخرون بابتسامةٍ وسَيلٍ من الدعاء ِ..
الطَيبونَ مِنهُم يُشفِقونَ عليّ بكاسٍ من الشّاي ..
أدمنتُ قراءَةَ تعابيرِ الوجوهِ، وأصبحتُ أرى ما في دواخلِ أصحابِها وبيوتهِم.
مَنْ سافرَ.. ؟ مَنْ تَزوّجَ ؟ وغيرِها منَ الأخبارِ.. حَفظتُ أسرارَ البيوتِ، وخباياها، لمْ تَعدْ أرقامُ العداداتِ مُجرّد أرقامٍ مدوّنةً في ِسِجلّي الورقيّ فقطْ، صارتْ مَحفورةً في سِجلّ حياتِي اليوميةِ..
امتزجَتْ مع أنفاسي ونبضاتي، غَدتْ جِزءاً من مَلفّ ذاكرتي القَصيّ الَبعيد.
ورغمَ حرارةِ الشمسِ في الصّيفِ، وقرّ بردِ الشتاءِ، وألم ِقدميّ إلاّ أنّ قوّةَ حُبّ غَريزيةٍ تُحرّكني فأواصلَ عَملي..
كنتُ أؤمنُ بأنَّ قوّة غَريبةً محبّبة لديّ تحركنُي باتجاهِ أبوابَ جديدةٍ.
لكنّ العَدّاد الوحيدَ الذيْ كنتُ دائماً أنسى تسجيلَ أرقامِه، هوَ عَدادُ أيامي، وعدادُ مَصروفِ أسرتي ومتطلباتِها…
كنتُ أحاولُ أن أقيمَ توازناً – ولو افتراضياً – بينَ هذا العالمِ العشوائيّ الذيْ أراهُ.. عالم البيوتِ والشّوارع..عالم الصّفيحِ الباردِ، وبينَ عالمي الخاصِّ، لكنّ النتيجةَ واحدةٌ، توأَمَةٌ بين ما أعيشُه في بيتي، وبينَ ما أراهُ ماثلاً أمامي وداخلَ هذهِ البيوتِ..
ولطالما شَكتْ ليْ زوجةٌ ظُلمَ زوجِها.. وأخٌ يبوحُ بظلمِ أخوتِه وكيدهم، عجوزٌ يدميْها بُعْدُ أولادِها وجفاؤُهم، وغيرُهم كثيرونَ، يشكونَ قلّة ذاتِ اليدِ..
تتراءى ليَ الأبوابُ أفواهاً فارغةً، إلاّ من الفَقرِ والعَوزِ الذيْ، يُعششُ في داخلهِا ..
أغْلقُ بوابةَ ذاكرتي المُشرعة على كلّ ما أسمَعُهُ، وأحسّهُ، أدوّنُ فيها الأرقامَ من جديدٍ، وأتساءَلُ في حِسبةٍ بسيطةٍ، كمْ عددُ الظالمينَ، والمظلومين.. ؟
أقرأ ُفي عُيونِ الأطفالِ الصَغارِ في الشّوارع الترابيةِ، أحلاماً يتيمةً تشبهُ أحلامي …
فأنسى ذلكَ كلّه، وأنا أغلقُ بابَ أحدِهم.. أفكّ غِطاءَ العدّادِ أُرجِعُ أرقامَه إلى الوراءِ، حتّى تتحولَ عُبوسَةُ صاحبِ البيتِ إلى ابتسامةٍ، فيدعو لي بطولِ العمرِ، وانفراجِ الرزقِ .
أخرجُ إلى الشارع ِ، وقد انتابتني حَالةٌ جَديدةٌ من التناقضِ حَالةٌ من الفَرحِ تَخْدشُها آلافُ الأفكارِ التّي تدّق بابَ وجداني فتدميهِ..
مِنْ جَديدٍ أدخلُ مَكتباً تِجاريّاً.. تظهرُ عليهِ آثارُ النِّعمةِ والتَرف.. أجدُ صاحبَه قدْ سَرقَ خطّ الماءِ منَ الشّبكةِ مباشرةً، دونَ أن يمرّ بالعدّادِ، أعِدهُ بعدم ِتدوينِ مُخالفةٍ، أغلقُ بابَ المحلّ وأعيدُ الوضعَ إلى ما كانَ عليهِ، دونَ أنْ يدري أحدٌ بذلك، وأنا على قناعةٍ.. بأنّ أمثالَه وبمكالمةٍ هاتفيةٍ صغيرةٍ لأحدِ خِلاّنهم المسؤولين يقلبونَ الحقائقَ ..
ويسوون الوضعَ نظرياً على الأقلّ..
يعطيني صاحبُ المحلّ مَبلغاً صغيراً من المالِ.. أقبلهُ.!
و بِصَمْتيَ المَعهودِ أخرجُ، وهويدعو لي بطولِ العُمرِوالصمتِ المديدِ..
أعودُ أدراجي بيتاً.. بيتاً، أقرعُ الأبوابَ.. وبصمتٍ أوزّعُ المبلغَ الذي حصلتُ عليهِ.
أبدأ بالبيوتِ الأكثرَ حاجةً، فتدقّ المِطرقَةُ مرّةً أخرى قاعَ رأسي.. لكنني أتجاهلٌها، وأنا أتذكّر أنّ ما قدمتُه أصبحَ ثمناً لِعُلبةِ دواءٍ، أو أرغفةِ خبزٍ..
أدمنتُ البحثَ، وقرعَ الأبوابِ، حتّى صرتُ أعرفُ أولئكَ الموسرينَ الذينَ اعتادوا امتصاصَ نسغِ المدينةِ..
أفتحُ ذاكرتي، وأدوّنُ فيها أرقاماً، لعداداتِ ثرائهِم وتُخمتِهم..
والمدينة سرٌّ كبيرٌ مدفونٌ في العَفن القابعِ تحتَ إسفلتها، أتحرّكُ فوقهَ كيفما شئتُ أشم ّرائحتَه في كلّ مكان، تداهمني صورةُ طوفانٍ لزجٍ، يبتلــعُ المدينةَ عن بِكرةِ أبيها..
هؤلاءِ لا حاجةَ لتدوين أرقامِ عداداتهم على الورقِ، سجلّي هو ذاكرتي أكتمُ للسرِّ لأنّ حِبرها صارَ من دمي..
أصبحتُ أحسبُ حِسابَ الشتاءِ، وثمنَ الوقودِ، وبدايةَ العام ِالدراسيّ والأعياد، كلّ ذلكَ صارَ من أعمدةِ وحقولِ سجلّي.
ثمّة صوتٌ آخرَ باتَ يخرجُ من أعماقِ ذاتي، أتحسّسهُ في صدري.. يُخاطبُني باستمرار أسمعُ خشخشته ُفي بداية كلّ صباحٍ، عند خروجي إلى العمل.
يقولُ لي: الهوّة تَتسعُ بينَ الطرفين..أعباؤك تزيدُ.. وتزيد، تكاثرتْ بيوتُ الصّفيحِ في رُقعةِ عَملكَ.. وباتَ العُمرُ قصيراً.
ما أنتَ فاعلٌ يا عبد الله.؟!
لكنّ نشوَتي تَعظُم وتَكبرُ عندما أعودُ إلى البيتِ في آخرِ النّهارِ، لا أحملُ في جيبي سوى أُجرة السّيارةِ، أقرعُ البابَ، يفتحُ أولادي الصّغارَ شِبهَ عُراة ..
ألجُ بيتي الصّغير المؤلّف من غُرفةٍ، يعلوها الصّفيحُ .
أمُّ الأولاد تعودّتْ على طِباعي، لكنّها طوالَ حياتِها معي، ما استطاعتْ أن تقرأَ رقماً واحداً من أرقامِ العداداتِ التي أكتمُها.
الشيءُ الوحيدُ الذي أيقنته، هو أنّ عدادَ حياتي باتَ في تناقصٍ مُتسارعٍ مُستمرٍ، ورغم ذلكَ عَجزتْ أنْ تَعرفَ ِسرّ السّعادةِ والقناعةِ التي أحيا فيها، رغم كلّ هذهِ الحالةِ البائسةِ التي اعتادتْ عليها مُرغمةً..
تفْرشُ مائدةَ الطعامِ، وقد وضعتْ فيها وجبَتي المُفضلّة المكونّة من البطاطا المقليّة وصحونٌ ألفتُ رؤيةَ ما فيها كلّ يومٍ.. أحمدُ الله َعلى نعمِهِ..
أبتسمُ.. عندما تتراءى أمامي صورةُ أسرةٍ سَاهمتُ ولو بجزءٍ يسيرٍ في تحسينِ مائدتِها اليومَ…
أتمدّد على حَصيرِ القَشِّ، أحــسُّ اليباسَ يتسرّبُ إلى جذعي..
أمّ الأولادِ تَعملُ جاهدةً في تدليكِ السّاقين الجّافتين، لإعادةِ الدفءِ إليهما، يمتدّ الخَدرُ شيئاً فشيئاً إلى بقيّة جَسدي.
.. عدادُ الوقتِ شارفَ على النّفاذِ.. تتراءى لي صَفحةٌ واحدةٌ من سِجلّ حِسابي الخاصّ في عامٍ واحدٍ .. أجدُ أنّ ما جمعتُه وما أنفقتُه.. يكفي لشراءِ بيتٍ أو سيّارةٍ، تشرقُ على شفتي ابتسامةٌ، وأنا أحلمُ بقارئٍ يَعبثُ بأرقامِ راتبي الشهريّ.. يحرّكهُ إلى الأمامِ، يغيمُ المكان في عينيّ ..
بينما يتصاعدُ صوتٌ مدفونٌ بينَ تلافيفِ ذاكرتي المَشروخةِ، يهتفُ بي ..
هل كنتَ على صَوابٍ يا عبدَ اللهِ .. ؟!.
مُهداة إلى عبد الله دياب الحسن…
- قارئ العدّادات
- التعليقات