كان يرحل، ليس مرة واحدة، بل مرات كثيرة، يرحل وكأن بيننا شيئًا لا يُرى، كأننا نعيش على طرفين متقابلين من صمتٍ طويل، كأن كل الكلمات التي قلتها له في لحظات انكساري لم تكن سوى ضجيجٍ لا يعنيه، كأنها مرّت من جانبه ولم تلامس شيئًا فيه، وأنا؟؛ كنت أعود إليه.
لم يكن الأمر ضعفًا، ولا خوفًا من الوحدة، ولا عادةً، كنت أعود، لأن شيئًا في داخلي كان يعرف… أنه ما زال هنا، حتى وهو بعيد، كنت أسأله بصوت لا يسمعه أحد سواي: “كيف لا يحبني؟”.
كيف لا يحبني، وهو يصبر على وجعي، على ثوراتي التي لم تترك فيه مساحة للتنفس؟، كيف لا يحبني وهو لم يغلق بابه في وجهي، بالرغْم أنني كنت أطرق عليه بكل ما فيّ من غضب؟، كيف لا يحبني، وهو يبتلع كل كلماتي دون أن يرُدّها بأذى؟، كيف لا يكرهني؟، وأنا أحيانًا لم أترك له سوى الألم.
كنت أذيه، وأعرف ذلك.
كنت أظلمه، وأعود لأمسك بيده، وكأن شيئًا لم يكن. وكلما هممت بالرحيل، صرخ قلبي: “أنتِ تحبينه، وهذا يكفي.”، لم يكن الحب حجةً لأخطائي، لكنه كان السبب الوحيد لبقائي. كنت أريد أن أتغير، لا لأكسبه، بل لأصالح تلك المرأة التي تراني في المرآة كل صباح ولا تفهم نفسها. وهو أيضًا… كان يرحل.
كان يختفي بصمته، ينسحب بهدوء من كل مشهد يؤذيه. ظل بعيدًا، لكنه لم يُطفئ حضوره. كنت أشعر به، حتى عندما يتوارى خلف صمته. هل كان يشعر بي أيضًا؟ هل كان يسمع صوتي وأنا أختنق ولا أتكلم؟.
كنت أظن أنه لا يحبني. لأنه لا يعاتب، لا يغضب، لا يُمسك بي لأقول: “سامحني”. لكن… مع الوقت، بدأت أهدأ. لم أعد أصرخ كما كنت، ولا أبحث عن إجابة في عينيه. كنت أُدرك أخيرًا أنني بحاجة لأن أكون أفضل، ليس لأُرضيه، بل لأعود إنسانه تشبه نفسها. وفي ذلك المساء، حين ظننت أن المسافة بيننا قد اتسعت للأبد، نظر إليّ وقال: “كنت أخشى أن أخسرك، لأنني لم أعرف كيف أقول ما في داخلي.”، وكانت تلك الكلمات… كافية لأن تُصلح صدعًا في روحي، كافية لأُدرك أنه كان يحبني حقًا، فقط… لم يكن يعرف كيف. لم أحتج أكثر من ذلك. قال قلبي: لقد أحبّني، حتى في صمته. وكُنت أعود… لأنني كنت أسمعه، حتى حين لا يقول شيئًا. أدركت أن الحب لا يموت من الصمت، ولا من الغياب، (الحب يموت فقط… لما ما نرجع لبعض).

أضف تعليقاً