نزل المُقَنَّعُون وَمَنْ بَقِيَ مِنْ أطباء وصحفيين على درجات مغبرة، وخيوط العنكبوت تلوح فوق رؤوسهم، اجتازوا عمقا طويلا في جوف الأرض عبر السلالم، وصلوا إلى قبوٍ عتيق…
“كأنه لم يسبق أن دخله أحد من قبل، لكنَّ أرضيته الشطرنجية، والميزان والفرجار والشواقيف وأجنحة النسور المعلقة على جدرانِه توحي بغير ذلك…”. هذا ما قاله أحد الأطباء مندهشا. استعد الجميع، أَدَارُوْا الكهرباء، وضعَ الأطباء والصحفيون كماماتهم وأَكُفَّهُمْ جَانِبًا، أَلْقَوْا أقلامهم وما بِجُعَبِهِمْ مِنْ أَوْرَاق… إِلَّا الْمُقَنّعِيْن تَشَبَّثَتْ أَصَاْبِعُهُمْ بِالْزُّجَاْجَاْت فَهُمْ يَعجزون عن كشف وجوههم التي طالما التحمت بالأقنعة … تَحَلَّقُوْا حول الطاولة ليدرسوا الوباء الذي حَلَّ بشعوب الأرض، حَمْلَقَ الصحفيون في أرقام الوفيات، عَقَّبَ أحدهم:
– ” أيها السادة… تصاعدت الوفيات بشكل مطرد على الشاشات، تبدو أسرع من أرصدة عائلة روتشيلد وهي تبتلع نصف ثروة العالم”. هكذا يكون ديدن أهل الصحافة في رحم الأزمات يسخرون حتى من بياض الأكفان… بينما هم دوما في خدمة حُرَّاْس الْبَوَّاْبَاْت في الإعلام.
وكلما زادت حصيلة الموتى ترتخي أيدي الْمُقَنَّعِيْن قليلا عن الْزُّجَاْجَاْت…
– ” اِفْرِضُوْا حَظْرَ الْتِّجْوَال، اِمْنَعُوْا الاختلاط، أَلْزِمُوْا الْبَشَرِيَّةَ فِي بُيُوْتِهَا وَمَخَاْدِعِهَا”. شَدَّدَ الْمُقَنَّعُوْن فِي الْخِطَاْبِ لأنهم لا يريدون للبشرية الفناء… وَإِلَّا لن يبقى على هذه الأرض مَنْ يَسُوْسُوْنَهُم… أليست البشرية بالنسبة لهم أرقاما متحركة وموارد لا تَكِلُّ فَلَا يريدون لها أن تنضب!
بينما في الخارج بدت المعابد على الشاشات كأنها تلفظ زائريها وهاجريها، ولسان حالها ينطق: -“لم نعد نحتمل مزيدا من الهجر والنفاق… وطغيان بني الإنسان… فليروا كيف سيبدو العالم من دوننا.”
ذُهِلَ الْمُقَنَّعُوْن، وأيديهم ترتخي شيئا فشيئا عنِ الْزُّجَاْجَاْت؛ توسلوا لشعوب الكوكب: -“ارتدوا أقنعتنا… والبسوا قفازاتنا… خذوها هي لكم اليوم… كافحوا هذا السخط، ولا يؤتين من قبلكم”.
لكن دون فائدة، بل زادت الضحايا، وحل الوباء كما النار في الهشيم لا تُبقي ولا تذر.
ابتلع القارات الخمسة بالطول والعرض… تناثرت الجثث في أصقاع الأرض، لم ينتبه المقنعون لِلزُّجَاْجَاْتِ التي تَتَمَلَّص من أيديهم ببطء كلما عَمَّ الوباء وانتشر ولما فقدوا الأمل أفلتوا الزجاجات كي يخلعوا أقنعتهم عن وجوههم الحقيقية… ذُهِلَ الأطباء والصحفيون عندما رأوا على جباه هؤلاء وَسْمًا يعود لفرسان الهيكل!
وأخيرا، وصل الوباء فوقهم، ولم يَحمِهِمُ الْقَبْوُ، أو جِدَاْرِيَّاته مِنْ فَتكِ هَذَا الْنَّحس، قضى على جميع من كانوا في القبوِ إِلَّا بعض الأطباء… صعدوا أعلى القبو، وبما تبقى لهم من أنفاس بحثوا عن الناجين على هذه الأرض، ينادون بأعلى الصوت عبر المكبرات و الإذاعات والشاشات حتى أنهم تَشَبَّثَوْا بالمناظير والتلسكوبات ولم يجدوا مِنْ أَحيَاْء…
فجأة، رصدوا بأم أعينهم ذلك الأمل الذي بدا لهم من جديد… هَتَفُوْا من أعماق صدورهم الْمُهْتَرِئَة:
“نَجَاْ الْعَاْلِقُوْن مِنْ أَعـنَاْقِ الْزُّجَاْجَاْت!”. “… هَاْ هُمْ، يُحَرِّرُوْن على أَعـنَاْقِهَا صفحة الوفيـات…”.