للكاتبة كفاح قواس
نص القصة
شرقية
كثيراً ما سببت لي آثار الحروق على يد أمي الحيرة والتساؤلات، ومما كان يزيد في حيرتي عندما يحضرني طيف جدتي ويداها تمسحان على شعري يتخللهما بعض الندوب، علمت لاحقا بأنها بقايا الجلد المكتوي من حرق ألمّ بيديها. الغموض الذي كان يجلل جواب أمي حينما سألتها يوما عن سبب تلك الحروق _ ما العلاقة مابين كرهك للحليب وتلك الحروق لم يتبدد إلا عندما اكتوت أصابعي بلهيب هذا الأبيض. أصبت برهابه منعته عن بيتي، تجنبت خديعته، ابنتي التي حرمتها من ميراث ندبه وأوجاع حروقه، اليوم باغتها تحمل وعاء اللبن وتنفخ فيه.
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
…………………………………………
القراءة
تحيلنا الكاتبة منذ العنوان , الذي يحدد وجهة سياق ما بعده, من حيث المتعارف عليه “شرقية ” وهذا العنوان يفتح الباب أمام الاشتغال الإيحائي للمتن, ف شرقية في العُرف العام هي المرأة التي تعيش في الشرق بملامح جمال معين ,يجعلها تختلف عن غيرها فيما بعد انسحبت هذه الصفة على المرأة التي تتصرف ضمن نمط تفكير يحدد صيرورة حياتها, وتتثبت صفة هذه البطلة ذات الملامح الريفية والتي تعمل في بيئة بسيطة هي بيئة الريف أو القرية فلطالما غلتِ الحليب وبالتالي كثرة تكرار العمل والتعرض للنار سبب لها ألماً وحروقاً في ظرف ما..
إذاً نحن أمام نصٍ بطلته امرأة عربية شرقية يشغلها هاجسٌ منذ كانت طفلة هذا الهاجس مازال يراودها و الأسئلة تتكوم في مخيلة البطلة منذ كانت طفلة لكنها لا تجد جواباً شافيا ً ( كثيراً ما سببت لي آثار الحروق على يد أمي الحيرة والتساؤلات ) (ما العلاقة مابين كرهك للحليب وتلك الحروق لم يتبدد..) هذه التساؤلات العريضة تفتح شهية المتلقي وتسوقه للبحث عن الإجابات ..
ولعل لفظة (كثيراً) والتي جاءت بصيغة النكرة والنكرة في احد معانيها و أغراضها تفيد التهويل والتفخيم وعليه فالأمر شغل بال البطلة زمناً طويلا ً وفي متن النص نجد” الحيرة , حيرتي , الغموض ” الكاتبة أدخلتنا متن النص من
خلال هذه الهالة من التساؤلات التي سببت لها الحيرة حيث نقلتنا عبر ضمير المتكلم ” لي ,أمي , حيرتي , جدتي ,أصابعي , بيتي , ابنتي ,) وفي استخدام الكاتبة لهذه الضمائر جعلتنا ضمن دائرة الحدث , جعلتنا نشترك معها في التفاصيل الدقيقة لهذه الهواجس والتساؤلات التي عبرتَ سياقَ حياة البطلة.
لكنها أعطتنا الإجابة من جلال التجربة الحية للبطلة مع الحليب ( اكتوت أصابعي بلهيب هذا الأبيض ).
فنجد ” الأم حرقت يديها بالحليب والجدّة عانت من ذلك الأمر وهي أحسّت بالرهبة و الخوف عندما أحترقت أصابعها بهذا السائل الأبيض المحبب لدى الأطفال.
وعياه استطاعت الكاتبة الاستفادة من مخزونها التراثي الريفي الطويل ربما في إسقاطه على الواقع .
فالبطلة حاولت طوال حياتها تجنّب خديعة الحليب خديعة اللون و الدهشة جاءت في قفلة النص حيث اكتشفت أن ابنتها تحاول خديعة الحليب بعد أن سقطت في إغرائه راحت تنفخ في الإناء للتجنب حرارته .
نعود من حيث بدأت الكاتبة ..ونعيد ترتيب التساؤلات التي نشرها النص على مساحته ..
هل أرادت المرأة العربية عبر تاريخا الخروج من قمقم التقليد والتبعية حيث الجدّة اكتوت .. والأم …والبطلة ..؟
إلا أن الابنة هنا استطاعت التحايل على واقعها الثابت وبالتالي أرادت تغييره بحكمتها وعقلها ومكتسباتها التعليمية
والحليب يمثل اللون الأبيض الصافي وهنا أرادت البطلة أن تقول من خلال خبرة النص أن عليها ألاّ تركن لصفاء الحليب فهو رغم بياضه يمارس خديعته ..
هو المستقبل الغامض .. هو الكلام الجميل المعسول لكنّه يخفي النار التي تكوي بين ثناياه .. خديعة البريق هنا قاتلة .. على المرأة أن تحذر منها و الملفت في النص أن الطفلة التي رأت فيها البطلة امتدادا أنثوياً لها ثارت على هذا النمط السائد من الخداع لكن بحكمةِ المتعلّم اليوم, وكأنّ البطلة أرادت أن تقول : كلّ بنات جنسي عليهن يحترقن بذات النار لكن بطريقةٍ تختلفُ عن الأخرى
ولو عدنا من جديد,إلى سيرة النص لوجدنا الجدّة في يديها
” بقايا الجلد المكتوي “من حروق الحليب .. الأم أحرقت يديها وسكتت.. أمّا البطلة أحرقت أصابعها بينما الطفلة احتالتْ نجحت ونجت .. نصٌ يلخص سيرةَ حياة المرأة العربية الشرقية في معاناتها لكن بطريقةٍ مختلفةٍ تماماً .. باختصار هي حكاية اللّون الأبيض وخديعتهِ حكاية البريقِ الخادعِ …. تحيتي للكاتبة كفاح قوّاس