للقاص ياسين خضر القيسي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة التحليلية

《 العنوان 》 الحوذي : عنوان جميل ، لغة هو الطارد المستحث على السير ، وهو سائق عربة تجرها الخيول ،على المستوى الحقيقي ، هذا العنوان يثير الانتباه ، الحوذي هو المتحكم في دفة عربة مجرورة ، وهو من خلال هذا التوظيف ، لا يغطي إلا المعنى الحقيقي للكلمة ، فلا يحتمل التأويل ، ولا يقول هذا العنوان إلا مابه من معنى ، ورد اسما معرفة ، واستعملت الكلمة مفردة يتيمة لكنها في سياق ضمني ،غير مصرح به : طعم براق قادر على اصطياد القاريء وجلبه لشد تلابيب النص،فسقوط البصر على الكلمة تدفع إلى إثارة نوع من التساؤل في نفس القاريء باعتبارهذه الكلمة التي قد تراها بسيطة هي الواجهة المباشرة التي ينصب عليها النظر وهي مفتاح سمسم للنص ، إذ يريد أن يعرف ، سبب استعمال هذا العنوان ، وماذا تفعل هذه الكلمة اليتيمة هنا ، وهكذا تتوالد في ذهنه عشرات التساؤلات فلا يجد بدا من اقتحام النص طولا وعرضا ، وأشير هنا إلى أن العنوان المتقن والمحكم هو مفتاح النص ، هو ذلك اللصاق الذي يصطاد الجرد، بمجرد ما تريد أن تعرف ماهية العنوان وسبب استعماله ، تدخل المصيدة ، فيشدك العنكبوت إليه ، وتكبلك خيوطه اللاصقة ،فتجد نفسك عاجزا عن القدرة على عدم إتمام المغامرة (القراءة)، فتغوص في أعماق القصة ، ويكون الأستاذ ياسين خضر القيسي قد حقق الهدف : إجبارك على قراءة نصه من (ألفه إلى يائه) ،فالمبدع العارف بأمور الكتابة هو الذي يحسن نصب الشراك والتي تبدأ حتما من العنوان باعتباره ، المفتاح السري للنص ○
وأعتقد أن القاريء الكريم ، يعرف ما ذهبت إليه ولماذا هذا الاهتمام بالعنوان. والعنوان الناجح ليس هو الموحي الى محتويات النص وإنما المستفز والدافع للتساؤل ،كلنا عندما نكون بصدد البحث عن نص نقرأه ، نتصفح العناوين ، ولا نفتح الصفحة إلا إذا نال العنوان إعجابنا ،فالاهتمام بالعنوان في النص نثرا كان أوشعرا ضمان لحصول القراءة ، ضروري وواجب ونجاح القصة -كما سبق الذكر- في استقطاب القاريء متوقف بالضرورة عليه . وقد نجح الاستاذ خضر القيسي في اختيار عنوانه•
《المكونات والخائص》 ذاكرة المبدع ياسين خضر القيسي كانت على وعي تام وقت المخاض ، وقت القلق ،الذي كان يراودها كانت تعرف جنس هذا الجنين قبل خروجه إلى الوجود ويتلقفه النقاد ،لتقميطه والاهتمام به والوصول به إلى بر الأمان لأن المبدع يكون وقتئد في حالة عطالة فكرية، أو في حالة نفاس ، وتختلف ذاكرة المبدع من نص إلى آخر ، فهي كائن حي يسري عليها ما يسري على الانسان ،ذاكرة الأستاذ المبدع ياسين خضر القيسي كانت على علم بأن مولودها سيكون ذا طبيعة غرائبية وعجائبية ، هذه الخاصية التي غالبا ما يوظفها المبدع المتمكن من استغلال الرموز بمختلف أنواعها لخدمة متن الأثر الأدبي السردي بصفة خاصة ، لأنه سيغترف من كل ما هو عجيب و ما هو غريب ، وكل ما يكون من دوافع الانبهار بالنسبة للقاريء ، فهذا الغريب والعجيب هو الذي امتص دوافع القتل من نفسية الملك شهريار ، وجعل شهرزاد تنجو بنفسها وتنجي مئات النساء اللاتي كان يتربص بهن الموت ، قد يقول قائل ما علاقة هذا بهذا النصيص الذي شخصيا اعتبره (النصيص/ القنبلة) الذي لا يخلو من هذه الخاصية الغرائبية والعجائبية التي ،سيكتشفها القاريء من سياق النص من خلال الضغط الذي سيمارسه عليه من حيث التحليل ، فتجد أن هناك من المبدعين من ينهل من الأسطورة أو من الخرافة ،على مستوى التضمين أو الاقتباس أو ما شابه ذلك من أنواع التناص ، ؟! و ما علاقة المبدع ياسين خضر القيسي وقصته بهذا الكلام ؟!خضر القيسي ماهو ببعيد عن هؤلاء وأنا اقرأ النص الذي لم يكلفني أي اعتصار للذاكرة أوجهد ، نظرا لخاصية أسلوبه كما سنرى في هذه الدراسة ○
لاحظت أني مباشرة أمام تضمين عظيم ،كان المبدع ذكيا في طريقة توظيفه ، كنت أقف بكل إجلال وأنا استنبط (أحداث أهل الكهف) من هذا النصيص الذي بين أيدينا : فكرة الصراع مع الزمن قديمة قدم التفكير البشري، تم التعبير عنها في الأساطير القديمة والملاحم (ملحمة جلجامش وفكرة الخلود ) و في الأدب العربي ، والعالمي وفي هذا كلام كبير وكثير ○ يتجلى هذا الصراع مثلا في( عودة الروح) و(أهل الكهف) لتوفيق الحكيم ، وسأركز على أهل الكهف لتشابه ، أحداث القصتين ،ففي كليهما ،كان هناك اختزال الزمن كبوة حصان الحوذي في تلك الحفرة وخروجه من ثقب الارض ،اختزلت الزمن والمكان بين عالمين مختلفين متناقضين في العادات والتقاليد ومقومات التفكير بصفة عامة ، فا نعدم التواصل بين الحوذي وسكان هذه المدينة العصرية التي تعج بكل مظاهر الغرابة في عيني الحوذي·حيث اعتبره الطبيب فاقد الذاكرة، طبعا انعدام التواصل أشبه بفقدان الذاكرة وما الفرق بينهما ؟!، حفرة وثقب اختزلا زمكان عصرين متناقضين وهذا قمة الغرائبية ، وقد حصل الاندهاش والاستغراب بين الطرفين ، فالحوذي رفض تقبل هذا العالم الغريب عنه بعدما فقد كل روابطه وصلاته (عائلته- أنعامه وبهائمه )، بهذا العالم، ففكر في العودة من حيث أتى فلا مكان له بين هؤلاء القوم ، أما سكان هذا العالم الغريب فهم ايضا اعتراهم نوع من الاستغراب من هذا الحوذي الذي يخالفهم على مستوى التفكير والبنية الضخمة والتي تدل على انه ينتمي إلى عالم آخر غيرعالمهم ، بعيد عنهم كل البعد ، فتأمل معي اخي القاريء هذه التقنية العظيمة في توظيف القصص القرآني في نصيص من هذا الحجم هذا يدل على قدرة الكاتب على التكتيف والترميز والإيحاء ، وأن دل هذا على شيء فإنما يدل على مدى تمكن المبدع من تقنيات التضمين ،أهل الكهف ، (مرنوش/يمليخا/ ……الخ…. الخ)هؤلاء اختزلوا الزمن بغفوة من النوم لم يعرفوا كم قضوا في هذا الكهف ( يوما …او …بعض يوم ) ،وعندما عادوا للحياة وجدواأنهم أصبحوا غرباء عن هذا العالم إذ تغير كل شيء :الوجوه، ومظاهر الحياة ،فاقتنعوا بأن عالمهم قد انقضى عهده منذ مئات السنين ، ولم تعد أموالهم تنفعهم في شيء ، ولم يجد الراعي قطيعه من الأغنام ،فماكان عليهم إلا أن يعودوا إلى كهفهم ويناموا نومتهم الأبدية فيغلق باب الكهف وتسدل الستارة!!
فما الفرق اذن بين مضامين القصتين فلولم يسجن الحوذي وترك يعود إلى حفرته (كهفه) لاكتملت قصة أهل الكهف وكان على كاتبنا المبدع أن ينتبه إلى هذه القفلة التي كانت في نظري كهاو للقصة القصيرة ستزيد في رفع النص إلى القمة · وقد تذكرت تلك الصياغة العجيبة التي صاغ بها توفيق الحكيم رحمه الله هذه القصة المقتبسة من القرآن الكريم ·فأين يكمن الاختلاف بين أهل الكهف والحوذي ، سواء من حيث الأحداث أو المكان أو الزمان ، فالغرائبية متوفرة في كلا القصتين ، ( الحوذي – الحفرة-الثقب – الغربة- انعدام التواصل- الرغبة في العودة من حيث اتى – وقس على ذلك في الطرف المقابل ) أما بالنسبة لأهل الكهف ،فهم أيضا( العودة الى الحياة- الاستغراب -عدم القدرة على الانسجام – انعدام التواصل – الرغبة في العودة الى عالمهم – ضياعهم لكل شيء – —) فهذا التضمين القراني وبالضبط هذه القصة العظيمة تظهر واضحة في هذه التحفة الرائعة للمبدع ياسين خضر القيسي رغم أنه يتبادر للذهن للوهلة الأولى مدى بساطتها ○
والاختلاف بين القصتين معا يكمن فقط في الكم اي عدد الأبطال الرئيسين · وأحيط القاريء الكريم علماأن هذا النص منفتح على كثرة التأويلات والقراءات ، وتعددها لهذا فأنا اعتبر هذه القراءة شخصية ووجهة نظر ،وربما ما يراه غيري قد لا اراه أنا قد يكون احتمال قدوم هذا الحوذي من عالم المستقبل وفق ما تعودنا على رؤيته في أفلام وقصص (science fiction) · وهذه طبيعة تعدد القراءات في أي نص ابداعي ، أما النص الذي لا يحتمل إلا ما تحتويه الجمل من معان فليرم في حاوية القمامة ○
إذن نستنتج بصفة عامة أن قصة الحوذي تلميح بشكل غير مباشر لقصة اهل الكهف ،لما فيهما من تشابه على مستوى الاحداث ، وفكرة صراع الانسان مع الزمن ، وكذلك مواقف الابطال ، سواء الذين اخترقوا الزمن والمكان او الذين هم اصحاب هذا العالم الغريب، فالمقارنة اذن واردة وتفرض تفسها فنعم التوظيف وبهذا نستنتج براعة المبدع وحرفيته في تقديم انتاج ابداعي جميل للقاريء ، ويستفز ذاكرته للبحت في توأم الحوذي واعتقد انه لن يحيد عن قصة اهل الكهف ، (بطبيعة الحال وفق صياغة توفيق الحكيم ).
《 السردفي النص 》:يختلف المبدعون في تعاملهم مع هذه التقنية التي تعتبر العمود الفقري في الكلام المحكي ، وسأركز هنا على نص (الحوذي) فقط لأننا لسنا بصدد مقارنات· إن ترتيب الأحداث في هذا النص ،وتنسيق العالم المحكي يأخذ صيغة السارد الواحد الذي يأخذ بزمام السرد من أول كلمة الى آخر كلمة في القفلة ، هذا السارد هو المستحوذ على العملية برمتها فلا يشارك الأبطال فيصبح شاهدا على ما يجري أثناء عملية السرد فهو ا لمحرك للأبطال كما تحرك الدمى او الكراكيز ، لأنهم يأخدون الدور السلبي ، فهم يقومون بالأحداث ، ولكن صوت واحد هو الذي يصول ويجول في دراما هذه القصة الرائعة ،وهو السارد الذي يتحكم في عملية إنتاج الكلام و ترتيبه وتوزيع الأدوار ، وينقل لنا هذه الأحداث دون أي تدخل أو إبداء الرأي أو ماشابه ذلك ، فالسارد اذن يسرد بعيدا عن هذه الأحداث ،رغم أنه هو المتحدث وهو المتسائل ، نستنتج إذن إن عملية السرد تتم من خلال صوت واحد ، هو صوت السارد الذي يلاحظ حضوره قويا قي النص عبر تدخلاته في توزيع وظائف الابطال وتنظيم الخطاب السرد بصفة عامة واسناد الكلام وان كان هنا ينوب عن الأبطال في ذلك○
《 المقومات اللغوية 》يؤكد علماء النفس أنه لا يوجد فكر بدون لغة ،وأن اللغة ليست لباسا للفكر وإنما هي الجسد نفسه. لهذا ،أتطرق دائما في جميع تدخلاتي إلى مشكلة اللغة ،فهناك من تكون له أفكار جميلة وجيدة ، ولكن تخونه اللغة ، لتوصيل هذه الأفكار ، فيتساوى حتى مع الأبكم ،فما بالك بلغة الإبداع ، قد يقول قائل إن اللغة تبقى لغة واحدة ، الهدف منها هو التواصل ، لكن ذلك قد لا يستقيم مع لغة الإبداع وإلا فما هو السبب الذي جعلني أنا كقاريء أختار نص الأستاذ ياسين خضر القيسي واهتم به وأدرسه دون غيره ،فلو كانت لغته مهلهلة ، ركيكة ، غير جدابة ،لرميت النص منذ أول سطر ، ولما اكملت القراءة أصلا ،وهناك من الإخوان الكتاب من لا يهتم باللغة ، ويعتقد أن الإبداع هو التعبير عن أفكار غاية في الأهمية ،ألم يسمع هذا الكاتب أن أعذب الشعر أكذبه ،فإذا توفر جمال اللغة ورزانة الفكرة فذلك جميل ، واذا لم يتوفر جمال اللغة فاترك الفكرة للصحفي أو الإنسان العادي فهو قادر على توصيلها للمتلقي ،هنا يكمن بيت القصيد بالنسبة للغة الأستاذ خضر القيسي ، تلاحظ أنه يستعمل ، لغة من عيار خاص ، وانت تقرأ النص ، تشعر وكانك تسير في منحدر من الزبد وليس منحدرا صخريا ، وأعتقد ان السر في هذه السلاسة والانسيابية هي طبيعة الجملة التي يوظفها الأستاذ المبدع ،فقصر الجمل ،لها اهمية ، قصوى قد لا يعرف أهميتها إلا المتلقي ،أو القاريء، فكلما كانت الجمل ، قصيرة كلما كانت السيطرة اكثر فعالية على المعاني ، فالسهولة الممتنعة ،مطلوبة في العمل الإبداعي خصوصا في مجال السرد ،لكن لا يجب ان تكون السهولة الى حد الاسراف في المباشرة ، لأن النص يفقد قيمته كنص إبداعي ، ويتحول إلى قصاصة صحفية ولحسن حظي او لحسن اختياري ان هذه النصوص الثلاثة التي حضيت بشرف تحليلها تكاد تتشابه من حيث تقنية الاهتمام باللغة ،فلا مباشرة ، أعتقد أن الأستاذ خضر القيسي كان خبيرا في هذا الجانب أي توظيف اللغة الإنسيابية التي تحضن القاريء ولا تنفره منها ○
ربما تلا حظون أني من حين لآخر ابتعد عن النص الذي يهمنا في هذا التحليل ، فقط أريد ان تكون الفائدة عامة ، فعلى الأقل تجد نفسك ولغتك في سطر من سطور ها التحليل المتواضع ، والاستاذ ياسين خضر القيسي كما لاحظ القاريء الكريم ،يستعمل لغة رمزية ، قد تحيلك إلى ضرورة تفكيكها اذا أردت الفهم ، فمثلا الإشارة إلى بنية الحوذي الجسدية ،تحيلك على وجود تلك الحضارات الغابرة التي فعلا كان ناسها من هذا الحجم ،فلنبحث في قوم عاد وتمود للوقوف على هذه الحقيقة ،فلغته اذن تتأرجح ما بين الترميز وفك الرموز أي l’encodage /decodage، ولعمري إن هذه هي لغة الإبداع ، هذا يعني ان استعمال لغة ، تعطيك سطورها ما بها و منذ اللحظة الاولى ليست من لغة الإبداع في شيء ، وربما لتبسيط هذه الفكرة أقول ، إن اللغة بصفة عامة لها بنيتان ، بنبة عميقة وأخرى سطحية ، فلنعتبر ان بنية الإبداع في اللغة هي البنية العميقة ، وبنية الكلام المباشر والعادي هي البنية السطحية ، لا أريد أن ندخل في هذه الأمور التي قد تبعدنا عن الأستاذ خضر القيسي ·
《خاتمة 》لا يسعني في هذه الدراسة المتواضعة لنص رائع لأخينا الأستاذ المبدع خضر القيسي ،إلا أن أتقدم له بالشكر الجزيل ، على هذا الإبداع الجميل ، الذي أوحى لنا بأمور عظيمة كقصة أهل الكهف، وأطلب منه السماح إذا أسأت فهم ما ذهب اليه هو ، لكن النص منشور نصنا جميعا، وأعتقد أن هناك كنوزا وابداعات ، كبيرة جدا تضمحلة شيئا فشيئا ، في أعمدة المنابر الثقافية ، ولا يهتم لأمرها أحد ، وما ينقصها هو أقلام ناقدة جادة
فالمبدع قام بما عليه كفاية ويبقى دور الناقد لإخراج جمال هذه الكنوز إلى حيز الوجود ،شرط أن يكون الانتقاد موضوعيا وعلميا بعيدا عن المجاملات ،أو اصدار أحكام قيمة قد تتبط عزائم الكتاب ، فالنقد مسؤولية عظمى تجاه المبدعين ،وأعتذر لإخواني القراء والكتاب ، والنقاد ، عن هذا التطويل والإسهاب الذي ربما تفرضه طبيعة الموضوع، وفقكم الله جميعا للرقي بالإبداع في جميع الاجناس الادبية.

أضف تعليقاً