الكتابة للأطفال في أدب متخصص مهمة شاقة و محفوفة بالمخاطر. أولا لأنها تتطلب مؤهلات ومهارات خاصة من بينها الألمام بعلم نفس الطفل وأسس التربية الحديثة، وثانيا لأنها يجب أن تراعي أنماطا مختلفة من السلوك، لأن عالم الأطفال عالم مضطرب و فوضوي بسبب عدم استقرار السلوك. فعالم الأطفال عالم مستقل بذاته له ما يميزه عن بقية العوالم الآنسانية الأخرى، فهو يتأثر سلبا أو إيجابا بمحيط الأسرة خاصة وبالمحيط الأجتماعي عامة، وهذا ما يؤكد صحة مقولة العرب: (التعلم في الصغر كالنقش على الحجر).
يشكل الأطفال عالما ومجتمعا ازدواجيا (متقبلا و رافضا) – في عين الوقت – لكثير من الأفكار والطروحات، ولذلك يؤكد المختصون من علماء النفس والتربية والسلوك ضرورة منح (خصوصية واهتمام) لأدب الأطفال لما له من أثر في تغيير السلوك المستقبلي للطفل لسبب بسيط هو أن الطفل (مقلد) ذكي.
ولأن رسالة أدب الأطفال وأهدافه هو بناء الاسس السليمة للسلوك الانساني وتقويمه ومن ثم تربية النشىء تربية سوية متوافقة مع سلوكيات المجتمع وتقاليده ومعتقداته وثقافته العامة، لابد ان يمتلك الكاتب من المهارات والخبرات والمؤهلات ما يجعل أدبه متميزا ومحققا لرسالته و أهدافه. ومن أهم ميزات أدب الأطفال هو أن يجاري تفكير فلذات الأكباد بعقلية متوازنة، تأخذ بنظر الاعتبار التراث الشعبي و الواقع الأجتماعي ومستوى مداركهم العقلية. وبوسع القارىء أن يلمس كل ذلك بوضوح في (حكايات ايسوب) التي تعد انموذجا رائعا لأدب الأطفال.
و(إيسوب) هذا رجل امتهن الحكمة بما يمتلكه من عقل ثاقب. كان عبدا أعتقه سيده لعلمه وذكائه. عاش في بلاد اليونان في القرن السادس قبل الميلاد. كتب الحكايات الخرافية المنسوبة إليه بشكل جميل ولغة رائعة مؤثرة على لسان الحيوان كما عند ابن المقفع ولافونتان. وله حكايات كثيرة أخرى تستعرض فضائل الاعتدال والحكمة وتقدم نصائح ودروس أخلاقية مفادها رفض حالات الاحباط عند الفشل في نيل المراد وتحقيق الرغبات مما يعزز الثقة بالنفس.
أعجبتني طروحات الأستاذ المبدع عبد الواحد الشيخ محمود في قراءته لهذه الحكايات (*) عندما أشار الى أن هناك مشتركات أساسية بين شعوب العالم أحداها هي أن هذه الحكايات الخرافية هي ملك الشعوب أينما كانت، وأنها شاقة يصعب تقديمها الى الصغار، لذلك لجأ إيسوب إلى ابتداع تقنية (ألسنة الحيوان). ومن المشتركات أيضا هي أن الخوف من الحيوان كامن في أذهان الأطفال في اللاشعور، حيث كان يشار إلى هذه الحيوانات وما يمكن أن تفعله بهم في حال مخالفتهم لقواعد السلوك. وهذا ما يرسخ نظرية جارلس دارون في ضرورة وجود (مملكة الحيوان) ملاصقة لـ (مملكة الإنسان).
كان إيسوب واعيا وهادئا في إنماء الحوارات بين الحيوانات عبر حكاياته الخرافية بسبب إدراكه للخوف الطفولي المفرط وما يمكن أن يسببه من إحباط لدى الطفل. كانت الحكايات الخرافية مبنية على تحد مقبول ومعتدل، لذلك نجدها قد اكتسبت قبولا في المخيلة الإنسانية.
لا يخفى على أحد أن الإنسان بطبيعته ينفر ويتذمر من النصيحة والإلحاح في تقديمها، لذلك كانت تقنية تقديم النصائح للأطفال بألسنة الحيوانات، لم يعط إيسوب أهمية للقوة الجسمية التي يمتلكها الحيوان، فكانت الحكايات ارتقاء وتطور لغوي جعلت من هذه الحكايات نمطا أدبيا، وكانت – كما يقول كوليرج – (بمثابة مخرجات حية من الخيال). ابتدع إيسوب هذه الحكايات بما يمتلكه من قدرة على التأمل meditation.
وقوة تأثير هذه الحكايات واضحة في استمرارها بعد وفاة إيسوب، فهي لم تضمحل بمرور الوقت لأنها تراكمات لخبرات المجتمع وهي شاهد على حكمة عميقة وإدراك خفي لجوهر الحياة.
ولما كانت الحكاية الخرافية حكاية سردية قصيرة تنتمي صراحة إلى عالم الوهم من خلال اللجوء إلى الشخصيات فهي تحمل في ثناياها، وعظاً، وتوجيهاً، ومغزى أخلاقيا. وغاية ايسوب من اختراع هذه الحكايات هو تحقيق الدائرة الكلامية التي تقتضي وجود شخصين أو اكثر لإنشاء الحوار. وإذا ما أدركنا أن اللغة – كما يقول سوسير – هي وسيلة (نفسية ونفعية تهدف إلى اشباع رغبة ونقل خبرة و اتصال بالآخرين) فسوف نعرف أهمية تحويل حيوانات إيسوب إلى كائنات ناطقة تتوحد في لغة التفاهم بعيدا عن لغة الإشارة.
تلعب الحكايات الخرافية في تراثنا الشعبي دورا بارزا في توجيه سلوك الأطفال جيلا بعد جيل. فالحكايات التي سمعناها من أجدادنا وجداتنا كان لها الأثر والوقع الأول في بناء أسس التربية وكانت أحد المصادر المهمة في تقويم سلوكنا وتوجيهه لما فيها من عناصر التخويف من حيوانات خرافية لا وجود لها إلا في صور ذهنية تتكون لدى الطفل. وفي أدبنا العربي تقترن الحكايات الخرافية بالموروث الشعبي الفلكلوري وهي حكايات غالبا ما تحكى على ألسنة الحيوانات، لها من التأثير والأثر في ترسيخ السلوك القويم مما يجعلها محل احترام تأكيدا لمقولة (وول ديو رانت) في (قصة الحضارة): (من الواجب علينا أحترام أوهام الناس بالدرجة نفسها التي نحترم فيها معتقداتنا). و الحكايات الخرافية هي أحدى المكونات الحضارية للأمم، فالأمة الانكليزية مثلا كان لها كم هائل من الحكايات الخرافية بعضها يدخل ضمن مايسمى بأدب الملاحم (epic)، كما في ملحمة بيوولف Beowulf وبعضها يدخل ضمن ما يسمى بالتقاليد. custom والإنكليز الآن يتشاءمون من أشياء كثيرة بتأثير موروثهم الشعبي وتقاليدهم القديمة، فهم يتشاءمون من القط الأسود والمرآة المكسورة في البيت ومن الرقم 13. وكانت لهم معتقدات في حمل العظام البالية والخرق من الأقمشة والأدعية والتمائم التي لها علاقة بالمقدسات المسيحية. فكان الإنكليز يقدسون مكان ما بسبب جلوس نبي أو أحد الحواريين فيه ويقدسون شجرة ما لأن ثمرتها أكتسبت محبة نبي أو رجل تقي. أن محاولة إيسوب (أنسنة) سلوك الحيوانات إنما هي محاولة تبعتها عدة محاولات من قبل مدرسة بابلوف الروسية في علم النفس، فكانت التجارب الأشراطية التي أجراها بابلوف على الفئران والقرود لاكتشاف قوانين وأساليب ووضع نظريات للتعلم الأنساني 0أن سر نجاح (إيسوب) وحكاياته إنما تعود بالدرجة الأولى إلى (الألفة) التي خلقها أيسوب بين حيواناته، فلغة الحيوانات واضحة وفصيحة. كما أن إيسوب رفع كل الحواجز في الإستخدام اللغوي، فكانت حكاياته مليئة بالحوارات بين الحيوانات. يبقى أن نشير الى أن حكايات إيسوب الخرافية هذه قد ترجمت إلى أكثر لغات العالم ومنها لغتنا العربية، فكانت بعض مناهجنا المدرسية في المرحلة الإبتدائية قد ضمت بعض هذه الحكايات وأذكر منها (حكاية الأسد والفأرة) والتي يمكن أن نذكر بها: (نام الأسد، ملك الغابة بعد أن أكل فريسته وراح في نوم عميق.. جاءت الفأرة ورأته غارقا في نومه وراحت تلعب وتقفز تارة وتتدحرج تارة أخرى على جسمه، مما عكر نومه، فاستيقظ غاضبا وأمسك بالفأرة قائلا لها لولا أنه غير جائع، لكانت طعاما شهيا له. توسلت الفأرة به طالبة منه العفو والصفح واعدة إياه بمساعدته وبردّ هذا الجميل. ضحك الأسد باستهزاء وعفا عنها.. وذات يوم وقع الأسد، ملك الغابة في شبكة صيادين وحاول بكل قواه التخلص منها ولكن دون جدوى. أحكم الصيادون الحبال ورجعوا إلى المدينة لجلب عربة لنقل الأسد. رأت الفأرة الأسد وهو في شبكة الصيادين، فاقتربت منه وصارت تقضم حبال الشبكة الواحد تلو الآخر حتى أنقذت الأسد من شبكة الصيادين. شكر الأسد الفأرة على حسن صنيعها !!) وأخيرا لابد لي من القول أن حكايات إيسوب تبقى مصدرا مهما ونموذجا مائزا لأدب الأطفال على مر العصور لأنها كتبت بلغة بسيطة مشوقة لفلذات أكبادنا.
_________________________________________
(*) مجلة ينابيع – العدد 49 كانون الثاني – شباط 2013 ص 70
- قراءة في حكايات إيسوب
- التعليقات