للقاص يحيى أوهيبة
رابط القصة على مجلة لملمة من هنا
النص:
اختارها بعد طول تجوال أرضاً له، أتى حرثه، وزرع زرعه، حفر بئره، وشقّ سيله، غير أنّها وبجفاء الصحاريّ أمسكت عنه ينابيعها، راهنت على سنينها العجاف، وراهن على ما ادّخر من صدق وصبر، أغاث نفسه وعصر.
القراءة:
نصّ جميل بالغ العذوبة؛ اختيار الكلمات وصياغة الجمل يشي بمدى العناية الّتي أولاها الأديب الجميل يحيى أو هيبة لنصّه وأستطيع أن أتخيّل عدد التعديلات الّتي مرّ بها هذا النصّ، وما يلفت النظر وعى الكاتب بأهمّيّة الجمل القصيرة والأفعال لمنح الإحساس بتدفّق الأحداث، فالنصّ الّذي لا يتجاوز نيف وثلاثون كلمة احتوى عشرة أفعال ذات إيقاع متصاعد (اختارها / أتى / زرع / حفر / شقّ / أمسكت / راهنت / راهن / أغاث / عصر)، ويميّز النصّ اتّكاءه على التراث في تناص مع القرآن الكريم في موضعين: أوّلهما تناص لفظيّ مع الآية 223 من سورة البقرة: (نساؤكم حرث لكم)، ما يفيد اتّخاذ الشخصيّة زوجة بنى بها في الأرض الّتي اختارها مستقرّاً، وهذا ما يفيد تنامى ارتباطه بالأرض، وعزمه القاطع على اتّخاذها مستقرّاً، ومن البراعة اللفظيّة الّتي أتى بها التناص أنّ الفعلين المتعاقبين حرث وزرع جاء على مستوى المعنى المعجميّ معكوسين في الترتيب المنطقيّ، لكنّهما على مستوى المعنى الضمنيّ المتّكئ على التناص اكتسبا تراتبيّة منطقيّة، أمّا التناص الثاني مع القرآن الكريم فيأتي في التماهي مع قصّة يوسف عليه السلام فالأرض المختارة الّتي أمسكت ينابيعها تمثّل السنين العجاف الّتي ورد ذكرها في السورة، أمّا الشخص الّذي راهن على ما ادّخر من صدق وصبر فيذكّرنا بخطّة يوسف الصديق، وكما يتجاوز يوسف عليه السلام المحنة بحسن تدبيره، كذلك يتجاوز البطل في النصّ محنته الشخصيّة ويربح الرهان، إذ تنجلي الغمّة، أمّا اللفظ (عصر) فهو تتويج في غاية المهارة للنصّ الممتع بما يمتلك الفعل (عصر) في التراث العربيّ من إيحاءات الخير، فهو بمعنى ما تتويج لنضج الثمار، وقطاف ثمرة جهد العام، والنصّ إلى ذلك يحمل قيمة الصبر والإصرار وإخلاص النيّة الصادقة وهي قيمة ما أشدّ احتياجنا إليها في ظلّ التحدّيات الّتي يحملها العصر.
جميل وممتع وأؤكّد هنا على ما سبق وذكّرته من مظاهر الوعي التامّ في المجلّة ومن خلال النصوص الّتي تتناول الومضة بفنّيّات هذا الفنّ المستحدث الّذي يستهان به على ظنّ سهولته، لكنّي ألاحظ أنّ الومضات الّتي تنشر تتمتّع في أغلبها بفنّيّات عالية، وقدرة على توظيف الألفاظ الدالّة المشحونة بقدر عالي من طاقات التعبير.
تحيّاتي للأديب الجميل يحيى أو هيبة، استمتعت غاية الاستمتاع بالنصّ الراقي.
.

