النص للكاتبة فتحية دبش
نص القصة على مجلة لملمة من هنا
القراءة
1/ العنونة
نظرة خاطفة سريعة على هذه النصوص الثلاثة، و انطلاقا من العناوين، تجعلنا نقف على الجامع المشترك بينها: الإطار المكاني، و هو الرّصيف، و على الفارق بينها: طبيعة كل واحد منها.
و “رصيف”،صرفيّا، في صيغة المفرد، سرعان ما يتحوّل إلى جمعٍ دلالةً و واقعًا، من خلال عمليّة التّجميع و التّوليف لهذه الأرصفة. فالرّصيف في نهاية الأمر “أرصفة”. و قد دلّت الكاتبة على ذلك باستعمال ” التّوابع”(النّعوت) أوّل/ ثانٍ/ ثالث.
و النّاظر في العناوين(الثلاثة) يجدها، نحويّا، قابلة لقراءتين:
* إمّا أنّ العنوان مبتدأ( نكرة موصوفة) و في هذه الحالة يحتاج إلى إخبار.
* و إمّا أنّه خبر، بما أنّه في نهاية المطاف يبقى نكرة مهما ضاق التّنكير، و في هذه الحالة يحتاج إلى مبتدإ.
و في كلتا الحالتين جاء العنوان في كل نصّ مركّبا نعتيّا، جملة غير تامّة، مختزلة، تدفع القارئ إلى تصوّر ما يمكن أن يتمّ به المعنى (ابتداء أو إخبارا)، و في ذلك استفزاز لفكر القارئ و إنتاج و توليد لمعان كثيرة… و هي وظيفة العنوان في القصّ القصير جدّا. يقول النّاقد المغربي صالح هشام في مقال عنوانه ” أهمية العنوان في القصة القصيرة و القصيرة جدا” بأنّ العنوان الجيد هو الذي يثير غريزة التطفّل في نفس القارئ… و ذلك بطرح جملة من الأسئلة التّي تتوسّل بالمتن إرواء لتلك الغُلّة: فماذا يحمل كلّ رصيف في طيّاته من مشاهد و أحداث؟ و بمَ يخبرنا؟ … و بمَ يختلف الأوّل عن الثّاني و الثّالث، و غيرها من الأسئلة المتوالدة.
و بما أنّه رصيف أوّل و ثان و ثالث فهذا يوحي برابع و خامس…
2/ نظرة تأليفيّة عامة:
“أرصفة” قصة الخواء.
- المكان/ الشخصيات.
في هذه النّصوص الثلاثة نوعت الكاتبة شخصياتها: منها ما يتّصل بالإنسان(هو/ هي..) و منها ما يتصل بالجماد (أحذية/ الصحن الحديدي…) و منها ما يُحيل على الحواس ّ(أصوات/ روائح البخور…). فما دلالة ذلكم؟
لقد كان للمكان “سطوته” و تبعاته في هذا المنحى. فالرّصيف، مكان اصطناعي (من صنع الإنسان)، مفتوح انفتاح الحياة، مكّن الكاتبة من حشد صور متنوعة، و بأدوات مختلفة. و قد حشدت لإدراكها مختلف الحواس( بصر/ شم/ لمس/ سمع) لِتَستَوليَ على كل مدارك القارئ.
و الرّصيف هو الإطار الذي يختزن تفاصيل الحياة في أدقّ جزئيّاتها. و هو ما ذهب إليه “عمار إبراهيم عزت” في مقال له بعنوان” القصة القصيرة جدا و رهان الحداثة” عندما قال:”…اذ تختزن ذاكرة القصة القصيرة التفاصيل الدقيقة جدا مقارنة بالأنواع السردية الاخرى ذات الإيقاع الزمني المتعدد والطويل ومنه الرواية على سبيل المثال”.
و إليكم هذه التّفاصيل الجزيّة بحسب كل قصّة.
* مشهد أوّل: خواء مادّي/ اجتماعي.
مطرقا إلى اللاشيء/ يثرثر: رغيف ⬅ فقر مدقع
* مشهد ثان: خواء وجودي.
رأسه الملقاة غير بعيد⬅ الموت و الفناء.
* مشهد ثالث: خواء أخلاقي/ قِيَمي.
بعض رغبات آثمة/ … عريكم⬅ سقوط أخلاقي.
و بهذا تكوّن الأرصفة في نهاية الأمر صورة واحدة مركّبة من مجموعة من اللّوحات الجزئيّة. و لنا أن نتساءل: من المسؤول عن هذه العلل و الأمراض؟ ولماذا لا تقع معالجة ذلك؟ …
هي صورة لا يراها البعض، أو لا يحبّ أن يرها… هي الآخر المخفيّ و المُغيَّب من الحياة. وكم هي هذه الصور مكرّرة في مجتمعاتنا.
و من هنا أيضا يمكن أن نعرّج قليلا على كتابة الثلاثيّات الق.ق.ج. فكتابة هذا النّوع ليس مجرّد كتابة كمّية تَجمِيعيّة، القصّة فيه تنضاف إلى القصّة كيفما اتّفق، و هذا الوهم نجده عند البعض، بل لابدّ أن تُبنى هذه الثّلاثيّات على رابط ما، و إن كان خفيّا للوهلة الأولى، يجعلها في وحدة بنيوية، كالبناء الواحد تنظر إليه من الخارج فتجده في أشكال متنوعة و زخارف شتّى، ولكنّ الأساسَ (و مادة البناء) واحد.
الرّصيف “أرصفة”، رمز الحركيّة و النّشاط، رمز الحياة يتحوّل بريشة الكاتبة/ الرّسّامة، بما أنّها رسمت تلك الصّور الدّقيقة، إلى أداة إدانة للمجتمع بكلّ مكوّناته: لأصحاب السّلطة و القرار الذين لم يحرّكوا ساكنا، و أغمضوا أعينهم، للأفراد الذين يفتقدون للتّضامن الاجتماعيّ و ” الدّين النّصيحة”، للأنظمة السياسيّة و الفكريّة و الاقتصاديّة… المبنيّة على التّحرّر إلى حدّ التّحلّل من القيم الأخلاقيّة و الإنسانيّة عموما… ”
و الخواء” في نهاية المطاف نقاط سوداء، إن لم يقع معالجتها تجمّعت في “ثقب أسود عظيم” يبتلع الجميع.
اللّغة.
لغة سهلة، بليغة، موجزة، إذ لم تتعدّ جمل النصّ أربعَ، موحية تتجاوز المعنى القريب إلى ما أبعد، شعريّة أحيانا كما في هذا المثال من النصّ الأوّل
جالسا كان… مطرقا إلى اللاّ شيء..
فأسلوب “القصر” و أداته “تقديم ما حقه التّأخير” قد خلق نوعا من الإيقاع الشّعريّ اللّافت.المفارقة/ الدّهشة.
لا يخفي على القارئ هذه الخاصّيّة و قد تولّدت ممّا يلي:- المقابلة بين صورة
الشّحّاذ ( وحيد، مطرق..)/ غيره من العابرين للطريق - المقابلة بين حالتي
الوجود( زغاريد/ جلبة/ ضحكة…) و العدم( رأسه الملقاة غير بعيد) - كسر أفق التوقّع( ثرثرة الصّحن)
- الغرائبيّة( اكتشاف العري في نومهم).


