للكاتب ياسر إسماعيل
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
ان المتأمل في العالم العرب الاسلامي من شرقه إلى غربه، يلاحظ تفشي ظاهرة الإرهاب ( البعض لا يسمه كذلك ) بصورة فضيعة،تذهل العقل،تمزق الفؤاد، وتُبكي العين، الدم بدل الدمع ،كل هذا باسم الدين الحنيف،دين الرحمات و البركات، البعض يرد أسباب هذا السرطان إلى خلايا تراثية كانت نائمة ثم أصبحت نشطة الان، والبعض الأخر يقول أنها مؤامرة مدبرة في الليل من خلف البحر للقضاء على الدين الاسلامي.
هذه القصة أبحرت في هذا الموضوع الحساس المصبوغ بلون الدماء و الرصاص و التكفير و حد السكين، فنرى الكثير من الشباب المسلم بعد فشلهم في حياتهم العادية بسبب الأوضاع الاجتماعية المزرية، لم يجدو الا الارتماء في أحضان تلك الجماعات الاسلامية التكفيرية المتطرفة ، التي تكفّر حتى من يشهد بوحدانية الله و رسالة محمد ص، و كان نتيجة ذلك هو استحلال دماء و أموال و أعراض أهل الاسلام ، البعض أختار وسيلة الذبح بلا شفقة و لا رحمة، و بعضهم الأخر اختار وسيلة الانتحار و ذلك بتفجير نفسه وسط مجموعة كبيرة من البشر لينتقل مباشرة ( حسب زعمه )الى معاشرة المئات من الحور العين بعد أن يصر أشلاء ملطخة بالدماء.
بطل القصة واحد من هؤلاء الشباب الذين لفظهم المجتمع، فألبسوه عمامة علماء الدين، عمامة أهل الإفتاء بغير علم، ليصبح من الأمراء الدموين، فحجّت اليه أفواج من الشباب الضائع، ليبجلوه و يقبلوا يده، بعد مبايعته على الطاعة العمياء، فضمهم الى جماعته الدموية باسم الدين،كي يتم تدريبهم على كل أنواع فنون القتال الشرسة ، و قد أحسن صاحب القصة في استعمال كلمة ( زريبته ) والزريبة هي مكان مبيت الحيونات الأليفة، وهي كلمة توحي إلى المستوى الهابط الذي وصل اليه هؤلاء القوم الجهال، وهي مرتبة الحيوانية التي لا عقل لها، و لانعدام الانسانية فيهم، و في الأخير بدل أن يكون هناك من يحاول ايقاف هذا النزيف الأحمر، يصدمنا النص بقوله ( تزاحم الخراف على المذبح ) و هي كناية عن كثرة الأفواج المتلاحقة، التي تدخل هذا التنظيم الارهابي رغم صغرهم في السن، و ذلك قوله ( الخراف ) و كلمة المذبح فيها ما فيها من الايحاء الرائع لعملية الذبح التي من المفروض أن تكون للحيوان، لكن عند هؤلاء جعلوها للإنسان، و كأن صاحب النص يخبرنا بأن هناك مذبح بشري، يحشر فيه العباد للذبح و الجميع ينتظر دوره لفصل رأسه عن جسده، و عليك أيها القارئ الكريم أن تتصور شعور ذلك الانسان الذي تنتظر رقبته شفرة السكين و هو برئ كل البراءة.
كما أرجح حسب سياق القصة أن بطلها انخرط في تلك الجماعة الارهابية، للانتقام من الذين كانوا سببا في اسقاطه في الامتحان، لأن بعد تأمل القصة، في الأخير نلاحظ كأن القاص دار بنا في قصته ليعود الى بدايتها لتبرير ذلك السلوك في بداية القصة.
النص في مجمله موفق جدا، توفرت فيه كل عناصر القصة القصيرة جدا، المفارقة كانت قوية و لا غموض فيها، مجسدة في سياق القصة المكثفة بطريقة مميزة بحيث اختزلت لنا المشكل الكبير الذي تتخبط فيه الأمة، دون الاخلال بمعاني القصة العميقة التي جاءت مضمرة بأسلوب موفق دون الوقوع في الغموض المنفّر عن القراءة ، كما شمل النص على مجموعة هائلة من الإيحاءات التي جاءت متلاحقة، زادت في جمال القصة، كما ساهمت في المزيد من الدهشة، ومن حسن الصياغة الأدبية الراقية و ذلك باستعمال صور بيانية بلاغية جيدة، وكمثال على تلك الايحاءات قوله ( سربهم ، عمامة ، تقبيل اليد ، الزريبة ، الخراف ، المذبح ) كل هذه الكلمات المتانسقة بينها، رسمت لوحة فنية في خيال القارئ فنطبعت فيه و تأثر بها الوجدان، و من جهة أخرى نلمس جانب من شخصية صاحب النص التي تنبذ العنف، و تطوق الى أكبر قدر من الحرية التي بها ترتقي انسانية الانسان، و هو صاحب قلم متمكن من فن القصة و أدواته الفنية و حسن استعمالها للوصول بطريقة فنية إلى أعماق القارئ بحبكة جيدة، و العنوان عتبة جميلة لولوج معاني النص العميقة، يشد انتباه القارئ و فيه نشبيه بأضاحي العيد التي تنتظر السكين لكنها مع الأسف هي بشرية انسانية.
و في الأخير كملاحظة : يستحسن في فن القصة عدم تتابع الأفعال المتقاربة جدا في متن القصة لأن هذا يمكن أن يضعفها، لهذا من الأحسن الفصل بين الأفعال ببعض السرد الخفيفة.