للكاتب ساجد المسلماوي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

سأحاول أن أقدم قراءة تحليلية في نص يبدو لي صاحبه متمرساً في كتابة القصة القصيرة.
ومنهجي في ذلك أنني سأضع جملةً من المعايير التي نحتكم إليها في ال ق ق ج، هذاالفن الوليد الذي يرسخ أقدامه يومأ إثر يوم بفضل كتابه الجادين والمتميزين ونقاده.وربما استسهلنا اللعبة وفكرنا أن الأمر مجرد تلخيص لقصة جرت وشوهدت أو سُمع عنها ،لكن المبدع يتصل بالواقع ليأخذمنه المواقف الأكثر سخونة وحساسية ثم ينفخ في الحكاية روحه وأسلوبه وفكره ويحولها الى وميضٍ مبدع .
وسأشير أثناء القراءة للنص المطروح
فهو نموذجي بنظري واتخذته مثالاً لبناء المعايير، مع الإشارة إلى أن لكل نص عالمه الخاص، وهدف الفقرة كما فهمت من متابعتي ليس مدح النص أو قدحه ولكن لإثارة النقاش الموضوعي النزيه.
المعيار الأول هو ‘‘سلامة اللغة ‘‘، فهو ألف باء الكتابة، ومن لا يتقن النحو والصرف والإملاء فهوطارئ على هذا الفن ، النص المقروء سليم لغوياً، واستخدام علامات الترقيم كالنقطة والفاصلة، استخدمت بشكل سليم.
ثانيا.. ‘‘العنوان ‘‘جودة العنوان باعتباره بوابة الدخول فهي عتبة الجذب الأولى..واهم مايجب أن يتميز به ألَّا يصادر فكرة النص ، لكنه يدل عليها بشكل مخاتل.هنا عنوان النص ‘ إحسان’مدخل مناسب جاذب، فالإحسان لغةً يقابلها الإساءة..(والحسنات يذهبن السيئات ) وقد يفهمها البعض الصدقة، ومفهوم الصدقة ليس فيه معنى المذلة، فالمفهوم الصحيح ( وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم )
ثالثا: ‘‘المتن ‘‘المسرود ومدى توفر التقنيات وهي
١’ التكثيف ‘ويجب التمييز بينه وبين التلخيص، الأخير مخل، بينما التكثيف يعني عدم ورود كلمة زائدة بحيث تكون العبارة على مقتضى الحال كما يقول البلاغيون بتعبيرٍ آخر ألَّا يخل التكثيف بايصال الفكرة ومن هنا كان من التقنيات المساندة الإضمار والرمز الذين يعنيان مفردة أو جملة قصيرة قد تختزن من الإيحاءات والمعاني ما تعجز عنه جريدة أو ثرثرة فارغة، وهذا يفضي إلى تقنية أخرى وهي التأويل، كلما كان النص غنيا بالتأويل و إثارة الأسئلة، كلما كان أقرب إلى الإمتاع والفائدة.
ومن التقنيات الجميلة توظيف التناص مع النصوص الخالدة والأساطير والقصص والحوادث التي أثرت الفكر الإنساني، وإسقاطها على الحاضر، فليس المقصود بهذا التناص هو الأشادة بما جرى قديما وانما مايمكن أن يفيدنا في إضاءة الحاضر وتطويره نحو الأفضل.
..عودة الى نص ( إحسان)
ولنحاول تطبيق المعايير التي أشرنا إليها.
بدايةً التكثيف عالي، ونجح في إيصال الفكرة المحورية، والثيمة هي الجوع .ومعلوم أن صراع البشر منذفجر التاريخ هو رغيف الخبز لتعزيز غريزة البقاء، الإقتصاد هو السبب الأساسي للحروب والنزاعات مهما كانت الشعارات المعلنة دينية أو سياسية، والحروب القديمة كانت نزاعاً على الكلأ والمرعى..
في القصة القصيرة جدا يجب تجاوز القراءة السطحية إلى استكشاف الاعماق الخفية لها،
مثلاً كلمة العجوز ، قد تشير إلى القارة العجوز ‘أوروبا ‘
و’ذلك’ التي ربما يقال عنها زائدة ، إنما هي تشير للبعيد، الدول ما وراء البحار التي تبيع الشعوب المستضعفة الوهم، والوعود بنهضة شاملة وما إلى هناك من سرابٍ خادع.
بالمناسبة معظم مفسري الأحلام يقولون إن سقوط الأسنان رمز للمرض الشديد أو الموت.
فالمساعدات الوهمية ستؤدي إلى مراكمة الجوع والتخلف…
وتوحي كلمة ‘ كمدا ‘بالحزن والفجيعة.رغم أن الكاتب’ة لايميل لاستدرار المشاعر.لكن ‘ كمداً’ تشير إلى الحزن العميق الذي يسري في أوصال النص….
‘ والدي ‘ إشارة إلى الأب رمز الميراث النضالي لشعب يموت كمداً، كلمة تركت في وعي القارئ ظلالاً من الحزن والألم ،لكن مازال الإبن مصرا على الحياة.كان فقيراً ويولم الحصى لأبنائه الجائعين
وهنا تناص موفق مع قصة المرأة العجوز والخليفة عمر بن الخطاب، التاريخ يعيد نفسه، ونضال الإنسان ضدالجوع يتجدد، حتى تندحر قوى الظلام والاستغلال العالمي.هذه الرؤيا الكونية تسم النص بنفسٍ ملحمي وإنساني.
القفلة جميلة.وهو انفلات بالون الذاكرة بصورة الاب، وهو يطبخ الحصى، موهماً أطفاله بأعداد الطعام، وهو في الحقيقة كان يسكت دافع الجوع لديهم مؤقتاً وقد ينتظر من يحسن إليهم، إنها صورة صارخة حقا.
عندما يستحضر القارئ هذه المشاهد الفجائية، ويوازن بين الصورتين، صورة الوهم العالمي والواقع، لابد أن تسرى مشاعر التعاطف والسخط على هول الظلم، وضرورة التفكير بحل هذه المعضلة الكبرى، الأدب كالكهرباء، يدفعك للتفكير. هو لايقدم وصفة جاهزة بل ينبه يحفز ويشير للمشكلة، لقد قام النص بهذه الوظيفة خير قيام.
لست أدري لماذا ذكرني النص بالقصيدة الخالدة للشاعر بدر شاكر السياب أنشودة المطر، لقد كانت نشيد الجياع حول العالم.
لقد حاولت أن أبين الجوانب المضيئة في النص ولايوجد نص يخلو من الهنات، ولي ملاحظة وحيدة حول استخدام كلمة والد حبذا لو استخدم كلمة أب، لأنها من الاسماء الخمسة فهي أفصح..
التحية والتقدير لكاتب النص الثري بالدلالات التعبيرية والفنية العميقة.

أضف تعليقاً