للكاتب ايمن يونس
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
المتأمل في تاريخ العالم العربي الحديث، يلاحظ أن كل دوله تم احتلالها من طرف الدول الأوروبية خاصة فرنسا و بريطانيا، و كان رد فعل الشعوب، هو القيام بحركات تحررية لطرد هذا الاحتلال المستبد،و كانت أفضل وسيلة لذلك الشهادة في سبيل الله لأحياء هذه الأوطان التي تئن تحت نير هذا الاحتلال الغاشم، لهذا نرى جحافل من الشهداء التي قدمتها الأمة العربية الاسلامية لطرده، و ان كانت فلسطين لم تتحرر بعد من الاعتداء الصهيوني الظالم.
الومضة تتحدث عن هذا الموضوع بأسلوب أدبي راقي و وامض، شديد الاختزال، غير مباشر، مع استعمال التلميح دون التصريح و الايحاء دون الابهام، حيث شبّها الكاتب تلك الشهادة بالذي يسقي و يروي بدمه أرضه العطشى للحرية كي تنبت شجرتها، و هي استعارة جميلة اختصرت كل ذلك الكفاح المسلح و التضحيات الجِسام، وكلمة ( دما ) فيها ما فيها من معاني الموت و التضحية من أجل مبادئ الحرية السامية الراقية، و كيف أن تلك الدماء الزكيات الطاهرات رخيصة في سبيل الله، و تحرير الوطن من براثين الظلم و الطغيان، و في الأخير تم تتويج كل هذه التضحيات الجسام بتاج الحرية و التحرر المرصع بدماء الشهداء الأبرار، و تجفيف كل ينابيع الظلم المتمثل في الاحتلال و كل روافده التي يتدفق منها، و هنا نلاحظ حسن توظيف فعل ( جفت) و ما توحي من رقي المعنى و سمو الهدف في ذهن القارئ، و ما تثير فيه من عاطفة.
المفارقة بين كلمتين ( سقوا / جفت ) و هي مفارقة لفظية ، بمعنى، كلمة تعاكس معنى كلمة أخرى لإظهار المعنى العام للومضة، و قد وفقت في ذلك، لكن كان من الأحسن استعمال المفارقة المعنوية لأنها تعمّق المعنى أكثر، و تكون فيها دعوة للتأويل مع احتمالية أن تحتمل الومضة أكثر من معنى واحد، و هذا ما يزيد من جمال الومضة و من عنصر الدهشة في أخرها، و المفارقة المعنوية هي أن يكون التضاد ليس بين الأفعال فقط،، بل في معنى صدر الومضة مع معنى عجزها، وذلك من خلال الصياغة المكثفة، و التكثيف موفق جدا و لا نلمس في النص كلمة زائدة يمكن حذفها، و لا الحشو الذي يضعف الوميض، و العنوان ( ارتواء)فيه ايحاء الى ارتواء ليس فقط لتلك الدماء، بل هو ارتواء للحرية و التحرر و الاستقلال، و هو موفق للنص لأنه لم يفضح المعنى العام للومضة بل أِشار و لمح فقط له.
و في الأخير فكرة الومضة كثيرة الطرح كموضوع للإبداع الأدبي، وهذا أمر طبيعي، لكن الاشكال في تشابه الصياغات الأدبية خاصة في فن القصة الومضة القليل الكلمات، التي كلما نستعرضها يلفت انتباهنا ذلك التشابه الكبير في الصياغات، و استعمال تقريبا نفس الكلمات و الأفعال، و هذا ما أسقط القصة الومضة في نوع من التقليد الخفي، الذي أوقع القصة الومضة في النمطية المُملة التي تعود بالسلب على الإبداع بصفة عامة،لهذا أغتنم هذه الفرصة لتوجيه رسالة لحملة القلم فأ قول : لا تقلدوا أحد في الكتابة الإبداعية، حاولوا دائما أن تكون لكم بصمة خاص في عالم الإبداع الكتابي و التجديد في جمال الصياغة الأدبية ( المبنى ) و ليت يتم إبداع أفكارا جديدة أخرى ( المعنى ) لم يتم التطرق لها من قبل.