القصة للكاتب زيد سفيان

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

ثمَّة ما يستدعي تسلسلاً في الدهشة لا تستدعيها إلا تلكَ النماذج القصصية الرائعة، التي تدعك في أجواء الحدث، بما يصلُ إلى السؤال المشتركِ بينَ الكاتب والقارئ وبينَ الرَّهبة في مصيرِ السؤال ونتيجته، و تنذرُ في تناسلِ صورٍ لا تكفُّ عن توليد الدَّهشة والتقاط الأنفاس، و تدفع إلى تأمَّلاتٍ عميقة، تساعدُ القارئ على مصاحبة الصّور بعين الوعي..
و ثمّة ملمح بارز عند قراءة قصة ”استدراك“ يظهرُ من جملة الاستهلال الذي جعلها الكاتب بهواً للدخول إلى عالم النص:
”مُنْذُ فَشِلت الثَّورَة في بلدي وأنا أمقتُ أنصافَ الحلول“
اعتماد الكاتب الجملة الظرفية لتحديد فضاء القصة، والتأشير على زمانها ومكانها، و ثمّةََ ما يستندُ إليه بمرارةٍ كبيرةٍ و ثورةٍ عاتية في آن على التركيبة المشهدية المأساوية.. الداهمة.. الهاجمة، التي تقودنا إليها أنصاف الحقائق، لتبقي الدائرة مفتوحة، ونبقى حائرين نتلفتُ حولنا بحثاً عن النصف الضائع من الحقيقة، والنصف غير المكتمل من الحل، وتبقى خلافاتنا تراوح مكانها، بل إنها تتقد وتزداد اشتعالا كلما اتسعت مساحة طموحات فئة من الفئات، أو راودتها أحلام العظمة..
عبَّرْتُ لها عن عُقْدَتي/و من خلال هذا المقطع/ يعود الضمير للحبيبة التي حاول بطل القصة التعبير لمحبوبته بعقدته النفسية من الأوضاع الصعبة التي يعيشها و أزمته النفسية جراء الأوضاع في بلده لعلها تنتشله من المأزق الذي يعاني منها، و يترافق وعي الكاتب مع تحويل التجربة إلى وعي بما يصل إلى أسئلة مشتركة بينَهُ والقارئ وبينَ الرَّهبة في مصيرِ الأسئلة ونتائجها: من خلال تحليل النفسية للشخصية، و تشخيص حالتها النفسية التي تعيشها في واقع مأزوم جراء الهزائم المتتالية، لتبقى المشكلة عالقة تنتظر من ينتشلها من المأزق الذي تعاني منها قضاياها كلها..

أسقتني كأس غير ممتلئ/و قد وظف الكاتب الرمز بطريقة جيدة: حيث يستعار الكَأْسُ في جميع ضروب المَكاره، فيقال: سقاه كأْسًا من الذُّل والفُرْقة والموت.. وهو قمة ما يمكن أن نجره على أنفسنا من ويلات ونحن نحاول لملمة ما تناثر من أوراقنا، وما بعثرت الرياح منها.

خرجتُ إلى الحياة مُبتئسًا/ صفعَني صقيعَ الفراغ/

صفعني صقيع الفراغ/
تشخص هذه الجملة السردية الحالة النفسية التي يعيشها بطل القصة في عزلته، و تنتج أيضا رؤية فلسفية حول حالة الحب، التي تجعله يشعر بأنه وحيدا، ولا يهتم به الآخر، وتجعله يعيش الفراغ الوجودي..
كما وظف الكاتب زيد سفيان في هذا النص السرد، وتحليل النفسية للشخصية، واعتمد الفضاء في تحديد موقعها، كما اتسمت الجمل بالترتيب المنظم، والإيقاع الشاعري المسموع الحزين (صفعني صقيع الفراغ). جاءت اللغة تشبه الحالة والمشهد…
و تدفعُ المقاطع السابقة بالقارئ إلى مصاحبة حركة الدّوال النّصيّة ومعماريّة ابتنائها، وتستدعي شرائط التّحليل الذي ينبغي لها أن تعتدَّ بما هو سايكولوجي.
ولأنَّ القصة القصيرة جداً هي حبكة بميزان دقيق، كانت خاتمة النص واخزة، أحدثت دهشة، باالمفارقة الصارخة، لتشكل مع العنوان علاقة دلالية نظرًا إلى ما للعنوان من أهمية على المستوى الفني أولًا، وعلى المستوى الفكري ثانياً، وعلى المستوى الجمالي ثالثًا:
عُدتُ مُبتهجًا لأنَّ -حبيبتي- نصف قُبح..
وتلكم هي النهاية التي تهتم بالفكرة و تتركُ خلاصة ذهنية تأولية تدعو للتأمل، وفيها قدر من الدهشة في التعامل مع اللغة بشعرية كبيرة..
وكأنّ الكاتب يصوّر لنا لقطة درامية مكبرة، ترى فيها الوجه ينقسم، والفكر ينقسم، ويسيران كلا في طريقه بلا نهاية، أيهما سينتصر ويصل أولا؟!
القارئ هو الذي سيفكر في الأمر، وسيتوقف أمام هذا الوجع مطولاً، وثمةَ حلول حاسمة أراد الكاتب إيصالها في هذا النص، غير قابلة للتجزئة أو القسمة، لو لجأنا إليها لوفرت علينا الكثير من الوقت والجهد والحبر.
وأدركُ لدهشتي أنّ القصة لم تنتهي بعد..!

فنياً:
– قصة مختزلة، خالية من الحشو، المفارقة قوية، وفي طياتها رسالتها الواضحة، العنوان جيد، و يحقق انسجام النص وترابطه الدلالي والتداولي، ولم يكشف عن دلالته، إلا في نهاية القصة..
-انتهج الكاتب نهجاً مجازياً، يـُحيل و لا يصرح، يرمز و لا يقرر…

أضف تعليقاً