النص للكاتب الحمداوي لحبيب

نص القصة على مجلة لملمة من هنا

القراءة

النوع الأدبي:
تشترط نصّانية التشكيل اللغوي حيازته شروط ديبوجراند، وفيها عوامل الإطلاق التي من أهمها القبول ليستحوذ النسق شرطه الإمتاعي لدى متلقي النصّ، وتلك مسألة مهمّة في دراسة الأدب إذ بدونها لا أدب ولا دراسة. وبالنظر للصيغة المعروضة فجانبها الإمتاعي يكمن في غاية نبيلة تمكّن التشكيل اللغوي من معالجتها بأسلوب لا يخلو من الدهشة، والمفارقة، والاقتصاد اللفظي، والرمزية، وما ناسب تعبيرات الزمن “المابعد حداثي”. وبالنظر للقوانين التجريدية وتطبيقاتها على حبكة السرد فنحن إزاء نصّ حكائي اعتمد الجملة التفصيلية لبلوغ الهدف، وارتكز في تحديده للجنس على خاتمة النصّ، التي نقلت الحكاية من ترتيبها الإخباري للإيماض، عبر مفارقة السرد، وتمكين الدهشة، والإيقاع السريع الصادم. وهذا يجعل النصّ في خانة “القصّة القصيرة جداً” ذات المنحى السردي الذي أمكننا تعريفه بالخطّ صفر للتأويل، وهو أسلوب دارج في كتابة القصّة القصيرة جداً في وطننا العربي، خاصّة قسمه المغاربي. جعله ذلك يحقق شرط التجنيس الأدبي من حيث الثبات والتردد، فالثبات تكرر عناصره البنائية الأساسية لنعته بجنس القصّة والتردد لحيازته بعض تقنيات الفن السردية. ليس هذا فحسب، فهو كما وضح امتلك صفة المماثلة والانتشار، باعتباره نمطاً سردياً كثر تكراره في بيئتنا اللغوية العربية. والنصّ إذاً هو تشكيل قصصي لاحتوائه مكونات القصّة من حدث وشخصيّة وبيئة، وهو من جنس القصّة القصيرة جداً، لتوفر شروط القصصية ومكونين بارزين للكثافة، هما الكثافة اللفظية والمشهدية، مع ضعف الكثافة النفسية التي تقوّي الإيماض، أضف لذلك وحدة المبنى والمعنى، وتوفر الثنائية اللغوية بالرغم من ضعفها، خصوصاً مع انفراج النصّ وإكمال التفريغ بالخاتمة.

تقطيع السرد:
سنعتمد في دراستنا النقدية للنصّ على مبدأ العجامات السردية البارتي، لما لهذا المبدأ من قيمة نقدية تأويلية تناسب الفنّ على ضيق مساحته السردية، وهي توافقه من حيث أثرية حبكته السردية، للاهتمام بغاية النصّ التي هي جوهر السرود الخاطفة بشكل عام، ناهيك عن حيازتها الفضاء البياضي الذي حملته ثنائية الدراما وتعدد مستويات السرد. فعجامات النصّ هي كما نراها:
١العنوان. ٢ الغارة. ٣_ الأثر وسلوك الشخصيات الرئيسة في السرد. ٤_ العبرة واتضاح الغاية بالمفارقة.
_ العنوان “براءة”: لفظ كاشف لحالة شعورية تناسب الأشخاص الذين يمتلكون مادة العقل والحالة الذهنية مع ضعف التجربة فتأتي ردود أفعالهم من دون تعقيدات يفرضها الواقع المعرفي، وهي تناسب الطفولة في الجنس البشري وتختلف عن الإرتكاس الغريزي الذي يتسم بالانعكاس ويخصّ باقي الحيوات. ولمّا كان العنوان هو التعريف بالنصّ الذي تثبت أحداثه في سرد الحكاية هنا هو اكتشاف تجليات البراءة فقد جعل الأمر للتعريف ضعفه من حيث افتضاح التيمة ولكن ليس هذا كل شيء في هذا الفن.
_ الغارة “أومضت الأجواء، عمّ الرعب، أمطرت السماء ألسنة لهب، توقفت الغارة”: أفعال حركية تفيد في تطوير السرد الحكائي الخبري، وتضعف الإيماض الذي جعله الكاتب في الأجواء وعفّ عنه في تشكيله الجملي، فالإيماض السردي ينجم عن الحذف والتلميح والاكتفاء بالرمز والإشارة، فأقترح على الكاتب أن يجعل مقدمة سرده بالصيغة التالية (… توقفت الغارة) فعلامة الحذف ها هنا منحت السرد الأثر البياضي الذي تقوى معه النصوص القصصية القصيرة جداً، وتمنح المتلقي دوره الوظيفي في إنتاج الخطاب السردي ومشاركة الكاتب بدل الاكتفاء بالتلقين الإبلاغي الواسم للسرود التقليدية في كتابة القصّة، وكل ما ذكره الكاتب يفيد في معنى عجامي واحد ألا وهو وقوع الغارة والتحضير لآثارها. ومع علامة الحذف يكتنف البياض السردي الذي منحه سواد الترقيم ما ندعوه بالبياض المحيّر الذي أمعن فيه القارئ بملكة الخيال ليستعيض عن جمل الوصف السابقة لتوقف الغارة بأحداث غزيرة تمهّد لوقفة السرد عند انتهاء العجامة. مع ذلك فالنصّ الذي نتناول فيه تشكيله السردي ونقترح معه ما نراه مناسباً لفعل الكتابة في فن الإيماض لا يقف على هذه الملاحظات وفي جعبة الكاتب ما أراد قوله.
_ الأثر وسلوك الشخصيات الرئيسة في السرد “خرجوا لاستطلاع الأمر، جلست الأرملة على ركام بيتها تولول، هرعت إليها صغيرتها تطمئنها؛ لا تبكي يا أمي”: تضمن السرد الكشف عن الأثر الذي تركته الغارة من دمار وتعدّيات، كما أبرز لنا شخصيّات القصة الأساسية وهي الأم المترمّلة وصغيرتها التي حمّلها الكاتب عامل الدهشة في النصّ وتجليات البراءة “عنوان النصّ” في شرودها عن الأحداث والمصائب، وفي منحى السرد ما أطلق حيرة القارئ ليس بدهشته حيال سلوك الصغيرة فحسب بل في تحديد مصيبة الأم الجانبية في النصّ وهي كونها أرملة؟.. فهل ترمّلها جاء من غارات سابقة أم من الغارة ذاتها أم لأسباب تركها الكاتب تسبح في بياض السرد وبقيت في عهدة المتلقي؟.. والآن لو وافقني الكاتب في اعتماد الحذف والإضمار لتمكين الكثافة والإيحاء لاعتمد الصيغة (… جلست الأرملة على ركام بيتها تولول، هرعت صغيرتها تطمئنها: لا تبكي).
_ العبرة واتضاح الغاية بالمفارقة “لقد وجدت ساق دميتي المفقود”: اكتمل التفريغ، وختم النسق بالدهشة والمفاجئة الصادمة فبراءة الطفلة لا تكترث بكل ما أحاط بها من ويلات وثبور وعالمها الخاص خارج سياق العسف الحياتي الذي كبّلت فيه مجتمعات الصراع ناسها، فللطفلة عالمها الخاص الذي تكتشف فيه انتصاراتها ومعارفها ورغباتها من خارج السياق التدميري لما وصلت إليه البشرية. وها هنا تتضح فكرة النصّ بتأكيد أبرز سمة للأدب السريالي الذي انطلق من الدادائية وصرخة طفل في مجتمعات حربية تتصارع على الثروة دون اعتبار للقيمة الإنسانية في الوجود البشري. مع قفلة النصّ وهي الخاتمة الصادمة تبوأ السرد موقعه الإجناسي وحدد لنا الخيارات في المركز الذي ناله القصّ. وتبقى التعديلات اللفظية أمور شكلية لا يمكن تجاهلها ما دمنا في فضاء السرد الإيحائي المنشغل بالإيماض. ولنثبت الصيغة المقترحة للقصّة: (… توقفت الغارة. جلست الأرملة على ركام بيتها تولول، هرعت صغيرتها تطمئنها: لا تبكي، وجدت ساق دميتي المفقودة).

أضف تعليقاً