القصة للكاتبة فاطمة عايق

نص القصة على مجلة لملمة من هنا

القراءة

لا بدء من مقدمة تعريف بالشاعرة السورية المبدعة والقاصة المبتكرة والأديبة الأريبة لما أثير من جدل حول هذا النص لدرجة رفضه من قائمة طويلة من النصوص رغم أنه أثار الإعجاب دون خلاف بحجة أنه يلمح لطائفة معينة من المسلمين لما به من علامات تشير إليها رغم أنها عامة وشاملة لكل المسلمين بكافة أطيافهم وقناعاتهم.
أبدأ بالتعريف على قاصتنا فاطمة عايق وهي الطفلة التي نشأت وترعت في بيت صوفي تعلمت فيه الترتيل والإنشاد وتدربت على المقامات من والدها الشيخ العابد الوقور الزاهد تغمده الله بواسع رحمته.. ومن المعروف عن الصوفيين أنهم لا يعنون بالدنيا وأدرانها ولا بالسياسة وتراهاتها.. ولا يكترثون بخسارة أو مغنم ولا يبتغون سوى وجه الكريم لا طمعا في جنته ولا خوفا من ناره.. ولكنها تلك المحبة الإلهية والاستغراق بأنوارها.
ذلك الإستغراق سجل نبضات حروفها الثكلى، ويتَّم أفكارها التي رَبَت عليها ولم تجد لها صدىً في عصر لا يكثرت فيه متعايشوه إلا لكمالياته ونزواته وشطحاته.
نعود إلى النص ونبدأ بتفكيكه وقراءته وتحليله محاولين سبر عمقه، والوقوف على أسراره لعلنا نصل إلى تلافيف القاصة فنكتشف ما كان يجول بذهنها ويعتمل بداخلها.
نبدأ بالعنوان وهو عتبة النص
“بناء”
اسمٌ نكرة مخاتل للأذهان ويشد الإنتباه ويستدعي أركان الفضول لمعرفة ما يجري خلف العتبة
معناه اللغوي:_
بَنّاء: (اسم)
البَنَّاءُ : مَن حِرْفته البناءُ
إيجابيّ، منتج محادثات بنّاءة
البنَّاءون الأحرار: جمعية شبه سرّيَّة تقول بمبدأ الأخوة بين أعضائها ويقال لهم: الماسونيون،
نقد بنَّاء: يدفع إلى الارتقاء والتقدّم، إيجابيّ
بناء المحفظة الاستثمارية: (مصطلحات)
عملية شراء وبيع الأوراق المالية والعقود المستقبلية والاستثمارات الأخرى من أجل تجميع مركز طويل ومركز …
المزيد
بناء مُفرّغ:
بناء من جدران خشبية تُملأ فراغاتُها بمواد خفيفة كالآجر والجِصّ.
عامل بناء:
بَنَّاء.
بِناءُ الكَلِمَةٍ:
على حَرَكَةٍ مِنْ حَرَكاتِ البِناءِ، وَهُوَ لُزومُ الكَلِمَةِ حالَةً من السُّكونِ أو الحَرَكَةِ مَهم…
المزيد
بناء مشترك:
بناية كبيرة تشيّدها جماعة من النَّاس ويخصصونها للعائلات ذات الدَّخل الزهيد
بإيجاز هذا هو المعنى اللغوي للعنوان أما مراميه وما يحمل في طياته من خبايا فهذا ما سنعرفه من خلال السرد أو ماستكشفه خرجة النص أو سينتج عن القراءة من تكهنات.

“على قدمٍ رفيعٍ غادر مسقط رأسه”

“على قدمٍ رفيعٍ” تريد أن تخبرنا القاصة بأن بطل النص كان ذا همّة عالية، وعزيمةٍ ماضية، وبأنه يسعى لهدفٍ سامٍ يصبو لتحقيقه.
“غادر مسقط رأسه” ومفردة غادر فعل ماضٍ ديناميكي أعطى للنص الحيوية اللازمة لتحريك فضول المتلقي لمعرفة ما نتج عن هذا الفعل، ويفيد إلى أنه رحل طواعية دون إكراهٍ أو قسر، ولم ينفى، بل لم يتعرض لضغوط قهرية تدفعه لهذا الرحيل، لا بل لم يأت القرار فجاءةً، لكنما سبقه تفكير عميقٍ، واتخاذ تدابير لازمة.
“تلحّفَ ظل الإمام”
هذه العبارة بها مشهدية عالية أعادتنا إلى ما قبل ألف وأربعماية عام، أخذتنا إلى سلمان الفارسي رضوان الله عليه المتوفى سنة 33 هـجري، صحابي جليل، ومولى للنبي محمد، وأحد رواة الحديث النبوي، وهو أول الفرس إسلاماً؛ أصله من بلاد فارس، ترك أهله وبلده سعيًا وراء معرفة الدين الحق؛ فانتقل بين البلدان ليصحب الرجال الصالحين من القساوسة، إلى أن وصف له أحدهم ظهور نبي في بلاد العرب، ووصف له علامات ليتحقق منه. اتفق سلمان مع قوم من بني كلب لينقلوه إلى بلاد العرب، فغدروا به وباعوه إلى يهودي من وادي القرى، ثم اشتراه يهودي آخر من يثرب من بني قريظة، ورحل به إلى بلده.
براعة وذائقة وحنكة في انتقاء المفردات، وصياغتها في نسيج محكم جعلتنا نعيش هذه المشهدية، وأخذتنا إلى تلك الرحلة الإيمانية الآنف ذكرها أعلاه، لله درك يا فاطم.
مفردة الإمام التي انتقتها قاصتنا عن حسن نيةٍ سُجِّلتْ عليها مأخذًا، مع أنها بكل بساطة في معاجم اللغة تعني:_
تعريف و معنى إمام في معجم المعاني الجامع – معجم عربي عربي
أَمامَ: (اسم)
أَمَامَ : ظَرف بمعنى قُدّام
سِرْ إلَى الأمَامِ وَلاَ تَخَفْ : تَوَجَّهْ صَوْبَكَ وَلاَ تَتَرَدَّدْ، وَتُقَالَ لاِقْتِحَامِ الْمَخَاطِرِ
أحَاطُوا بِالصَّفِّ مِنَ الأَمَامِ إلَى الْوَرَاءِ : مِنَ الْمُقَدِّمَةِ إلَى الخَلْفِ
النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ أمامَ القَانُونِ : في نَظَرِ القانُونِ، في حُكْمِ القانُونِ
أمَامَكَ : اِنْتَبِهْ، اِحْذَرْ
أمَامَكَ : اِسْمُ فِعْلِ أمْرٍ بِمَعْنَى تَقَدَّمْ، وَتَنْصَرِفُ الكَافُ مَعَهُ بِحَسَبِ الْمُخَاطَبِ: أمَامَكُمَا، أمَامَكُمْ، أمَامَهَا، أمَامَهُمْ
وَقَفَ أمَامَ رَغَبَاتِهِ : مُعَارِضاً، مُوَاجِهاً، مُقَاوِماً
إِمام: (اسم)
الجمع : أئِمَّةٌ ، أَيِمّةٌ
‏ الإِمامُ : مَن يأْثَمُ به الناسُ من رئيس أَو غيره، ومنه إمام الصلاة
الإِمامُ: الخليفة.
الإِمامُ: قائد الجُند.
الإِمامُ: القرآن ‏للمسلمين.
الإِمامُ: الكِتاب، وفي التنزيل العزيز: يس آية 12( وكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ)
الإِمامُ :الدليل للمسافرين.
الإِمامُ :الحادي ‏للإِبل.
الإِمامُ :القَدْر الذي يتعلمه التلميذ كل يوم في المدرسة يُقال: حفظ الصبيُّ إمامَه.
الإِمامُ :الطريق الواسع الواضح.
الإِمامُ :خَشَبة أو ‏خيط يُسَوَّى بهما البناء، يُقال: قَوَّم البناءَ على الإمام.
الإِمامُ: المِثال
الإِمامُ: ‏عَلَم بارز في الدِّين أو العلوم أو الفنون أو غيرها
الإِمامُ : ‏‏ ‏الرجل العالم الجامع للخير ‏‏
الإمام الأكبر : لقب شيخ الجامع الأزهر في القاهرة ‏‏.‏
‏الإِمامُ (في الاصطلاح) : أصدق مِقياس اتفق عليه ‏لضبط الوَحَدَات المتداوَلة، أَو لقياس الأشياء أو الصفات . والجمع : أَئمة
أعادونا إلى الجاهلية الأولى، وللعصبية القبلية الغاشمة، يريدون وأد الكلمات ومصادرة الحريات، باسم الطائفية والحزبية والمسميات التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تسمن ولا تغني من جوع، بل أصبحت طريقا للشيطان، والفرقة والنزاعات.
علما أن الإختلاف لا الخلاف ظاهرة صحية، ورحمة للأمة، إن كان المسعى ذات الهدف ألا وهو المصلحة العامة.
نعود إلى النص وقد اقتضى الأمر هذا الخروج الذي ارتأيت ضرورة العروج عليه والتنويه له.

“من بعيدٍ رآهُ يدسُّ عمامته في التراب”
عبارةٌ ضبابية، وغامضة، وفيها ترميز وتورية.. فماذا تقصد القاصة بهذه العبارة البليغة.. يدس عمامته في التراب
ربما تعني أنه أسقط هيبته ووقاره..
ربما تعني أنه تخلى عن كرامته أو أعلن تبعيته أو أُسقِط في يده.. أو أو أو… مفتوحة على كل التأويلات لما بها من رمزية غاية في الحبك دون مبالغة وإسفاف..
من بعيد رآه.. تركيبة محيرة تضعنا داخل دوامة من الأسئلة
هل كان يراقب حركاته ويتتبعه دون أن يشعر؟!
أم أن إشاعات قد تناثرت حول حقيقة الإمام أو الرئيس أو القائد أو المفتي أو أنها تشمل كل المتنفذين وفي مواقع القرار؟!
أم أنها استنتاجات وظنون؟!
أم أن الواقع عكس النتيجة؟!
أم أنه كان ضمن المرافقين الثانويين؟!
كل الإحتمالات واردة ولا تزال الأسئلة تتقافز هنا وهناك.

وأنوه أن مفردة العمامة قد أثارت ذلك الجدل للظن بانها ترمز لطائفة معينة مع أن العمامة يعتمرها كل شيخ جليل.
وأرى في توظيف القاصة لهذه المفردة تورية قد تشير لرتبة عسكرية أو مدنية، او مفاوض سياسي، او سفارة، او كرسي رئاسةٍ أو عرش ملكي.. بالمفرد والجمع.

“خلعَ نعليه؛ اقتفى آثارَ وعظه؛ توقَّف عند نجمَةِ داوود.

خلع نعليه.. لا يزال يحمل في بيعته الولاء للتابع.. وفي قلبه طاعته، وفي روحه قداسته.
اقتفى آثار الوعظ.. سار في خطة مرسومة له من قبل آمره، وخطوات أُعِدَّت له، لم ينحرف قيد أنملة عن التعليمات والأوامرة الصادرة.

توقف عند نجمة داود..
يا لهذه الخرجة الصادمة.. أي دهشة صنعت هذه الأنامل الماسية لهذه القاصة وأي ذهول نسجته هذه التراكيب الموشحة بالذهب والتي استخدمت فيها كل أداوات الكتابة بمهارة وحرفية وإثقان، ووظفت في المفردات وعلامات الترقيم توظيفًا سليما خالٍ من أي عيب ولا تشوبه شائبة.. سأضيف عنصرًا آخر يتغافل عنه النقاد والقصاص ألا وهو الإلهام.. فالإلهام ليس حكرا على الشعر بل يشمل كل الأجناس الأدبية قاطبة، والأديب من غير إلهام وفطرة يكون آلة صماء تدور ميكانيكيا تنتج موادا خالية من الروح.
هذه الخرجة المذهلة المفتوحة لكل تأويل، جمعت خيوط اللعبة، انقشع بها الضباب، وأجلت كل غموض، وفسرت ما أُبهِم، وحلت العقد، ونفثت الروح في كل حرف..
توقف عند نجمة داود.. والعنوان بنّاء وجمع بنّاء بنّاؤون.. وبناؤون رمز للأخوية الماسونية.. استخدمت القاصة بذكاء صيغة المفرد حتى لا يفتضح أمره، فتضيع معه صدمة الخرجة..
نص متين متراص البناء ونسيج خيوطه متشابكة ومتماسكة.. نص متكامل الأركان، استعملت فيه القاصة المتمكنة من أداوتها كل فنون الكتابة في بناء سردي جميل جمع بين الشعرية والاختزال، بين الرمزية والتورية، بين التشويق والمخاتلة، بين الدهشة والمفارقة.
توقف عند نجمة داود.. كل القلاقل والفتن داخليةٌ وخارجية، إثارة النعرات العرقية، والتعصبات الطائفية، والانتماءات الحزبية يؤجج جمرها ويذكي نارها في كافة الأقطار العربية، والدول المستضعفة أذناب الأخوية الماسونية(الصهيونية العالمية) وعملائها في هيكلية تمتد من رأس الهرم حتى أسفل القاعدة.
القاصة المبدعة والشاعرة النحريرة لك مني أجمل التهاني والتبريكات على هذا النص الرائع المصنف ق.ق.ج بامتياز وتفوق منقطعي النظير.

أضف تعليقاً