القصة للكاتبة رولا العمري

نص القصة على مجلة لملمة من هنا

القراءة

لم تتمكن من الصمود، لتفر من ذلك المكبوت جنسيا الذي أتاها على شكل عصفور بريش الطاووس، مغردا لها تغريد الحب و الغرام، و جوفه متأجج بنوايا الحرام، قدّم لها قلبه المملوء بالغرائز و هو مزخرف بعاطفة هُيام مبتذلة و أشواق مصطنعة، كاد يذهب خوفها و سقوط أسلحة عقلها، لكنها قرأت الخبث من نظراته، ذلك كلما تمادى في بناء العش الوهمي الذي سيسجنها فيه و يفرغ فيها مكبوتاته العميقة، لكن بطلة القصة رفعت صوتها لتفضحه بصوت فكرها العالي الذي حلّق عاليا كالأجنحة بعد أن نبت لها الريش، لتحلق بعيدا عنه لتصير هي كالصقر.

القصة تشبه ورشة عمل إبداعية فتحتها القاصة لتشيد صرح عملها الأدبي الذي أرادته أن يكون كالقمة التي تناطح سماء الأدب، و قد أفلحت في ذلك إلى حد بعيد، ذلك باستعمالها الجيد لأدواتها الإبداعية و حسن توظيفها لرفع بناء قصتها على قواعد أدبية متينة.

القصة محكمة في بنائها و متماسكة بين أجزائها، التي تبدو في ظهارها مفككة، لكن بتدقيق النظر جيدا تتجلى لنا تلك الروابط الخفية في النص، و كدليل على ذلك، العلاقة المتينة الموجودة بين كلمات ( عصفور، تغريد ، العش ، ريش ) كلها كلمات تصب في نبع واحد، كلها كلمات مختارة بدقة و عناية كبيرة توحي لنا بالتحليق المعنوي الراقي، استعملتها القاصة بطريقة ذكية و بحس أدبي جميل، ولا تريد من خلالها ظاهرها السطحي، بل جعلتها كرمزية للفكرة العامة العميقة لقصتها، و يمكن للقارئ الحصيف أن يلمس ذلك من خلال تلك الإيحاءات الجميلة المبثوثة في ثنايا القصة التي أضفت ذلك الجمال البهي و الحُسن الرقيق عليها، الذي بدوره حرك مشاعر القارئ و داعب عاطفته ليسقط عنها ما علق بها من غبار السكون، كذلك في كلمات ( عجزها / خوفها ) و ما تحملانه في طياتها من ثقل ذلك الشلل العميق الذي انتاب البطلة في لحظة ضعف تحت تأثير تلك الإغراءات التي كادت تُذهب عقلها، القاصة أحسنت وصف قلب البطلة الشبيه بمركب وسط أموج هائجة و الرياح تعصف.

لم تهتم القاصة بتجميل الكلمات و زخرفتها بمحسنات بديعية، و إن كان يجوز لها ذلك، لكنها لم تعطيه أهمية كبرى نظرا لانشغالها الكبير بالجودة الفنية و تجميل الفكرة العميقة للقصة التي أخرجتها في حلة ربيعية بديعة، أخرجتها من أعماقها بعد أن شغلت بالها طويلا لتضعها على ورقة بيضاء بعد مخاض نفسي أليم، لتعالج بها قضية تخص المرأة بصفة خاصة، القاصة معروفة بقلمها الأدبي المسلط على نحر الظلامية التي ترى في الأنثى نصف إنسان و جسدا فقط.

القصة مكثفة جيدا، لا خلل في معانيها رغم شدته، اختزلت قصة طويلة مستوحاة من الواقع المرير للمرأة، ذلك الواقع المسكوت عنه في مجتمعنا المحافظ جدا، إلا أن القاصة ولجته بقلمها الشجاع لتميط عنه اللثام و تكشف المستور و أسقطت بعض الأقنعة بكل حرية أدبية و هدوء دون خدش للحياء و العواطف، و لمحّت لتلك القضية الجنسية دون ذكر الجنس بتاتا، كانت تلف و تدور حول ذلك المعنى بأسلوبها الأدبي الرمزي المراوغ و سردها القصير جدا بالتلميح دون التصريح، بالإشارة دون المباشرة.

المفارقة كانت في ذلك الانتصار الأنثوي على تلك الذكورة التي تحاول دائما السيطرة على المرأة بشتى الطرق و الوسائل، بواسطة العُرف أو التقاليد و بالدين في بعض الأحيان، المهم عندهم أن تكون الأنثى مطفئة لسجائر شهواتهم الطاغية، و ذلك الانتصار مرّر رسالة أن المرأة ليس جسدا فقط، هي إنسان كالرجل عندها قلب و روح و إحساس و عاطفة يجب مراعاتها أحسن رعاية من طرف أخيها الرجل، و جاء العنوان ( تحرير ) ليؤكد هذا المعنى السامي، بأن البطلة حررت نفسها من تلك الشهوات ( رغم شعورها بعجزها ) و للمرأة قدرة فعل ذلك من الذين يريدون احتلال جسدها.

في الأخير ختمت قصتها بتلك القفلة المدهشة خاصة من ناحية جمال صياغتها التي تحتاج لبعض التأويل ( نبت لصوتها ريش ) جعلتها كذلك لتصدم القارئ في الأخير، و تجعله يفتش عن المعنى العميق المخفي المتمثّل في رأيي في ذلك الريش الضروري للأجنحة كي تحلق عاليا في السماء، و هي كناية عن تحرر بطلة القصة بعد أن استعارت القاصة المعنى من ريش أجنحة التحليق.

أضف تعليقاً