للكاتب محمد الميالي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

إن ما تعيشه الكثير من الدول العربية، خاصة الغنية بثرواتها الباطنية، من استغلال بشع و نهب مروع من طرف الدول الغربية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، لم يعد يخفى على الجميع، فقد صار علني و أمام مشهد العالم ، هذا هو المحور الرئيسي الذي تدور عليه هذه القصة.
و قد أحسن القاص طرح هذا الموضوع بكثير من الحرفية الأدبية والمهارة الفنية، بأن استعمل مخزونه الثقافي الثري بالمعلومات الثقافية، و توظيفها بأسلوب رمزي و راقي جدا و بطريقة محكمة جدا، في حبكة قصصية متماسكة البناء، بحيث شكلت لنا لوحة أدبية، و كأنها فسيفساء يتأملها القارئ في خياله الخصب.
ظاهر النص يظهر و كأنه مفكك و لا ترابط بين جمله القليلة، لكن بتدقيق النظر جيدا، و تعميق النظرة الفاحصة، سنلاحظ أن هناك ذلك الخيط الرفيع الذي يربط أجزاء القصة و يجعلها متلاحمة إلى الأعماق.
( بعيدا عن الشّهب، اخترقوا حجب الأرض، ليسترقوا السمع ) لقد ذُكر في القرآن الكريم أن الشهب التي تُرى في السماء ما هي إلا لرجم الجن ( الشياطين) الذين يسترقون السمع، للذي يحدث في السماء لإخبار بعض أهل الأرض بما سرقوه من أخبار، و صاحب النص وظف هّذا المعنى ليخبرنا بقوة هؤلاء الناس على اختراق أراضي الشعوب، وامتصاص ثرواتها الباطنية و السطحية، و قوة اخترقهم تشبه قوة الجن الخارقة كما نعرف ذلك من خلال قصة سليمان عليه السلام، و بعد الأختراق تمكنوا من السيطرة و النفوذ و التحكم في مفاتيح تلك الثروات، التي عبّر عنها القاص بالآبار، و ما تحويه من نفط و غاز و غيره من الثروات الطبيعية، من دول المشرق التي يمتصونها إلى التخمة بأبخص الأثمان، و ربما بالمجان، وقد جعل القاص كلمة ( الآبار ) في وسط القصة كمفتاح لفتح المعاني المغلق في النص عندها يمكن للقارئ ادراك المعنى العميق و فك رمزيته.
( لم يأت الهدهد بعد ) هنا يعود بنا القاص إلى التناص مع قصة سليمان لكن بعكس المعنى، لأن في قصة سليمان الهدهد جاء بالخبر اليقين من سبأ، لكن في هذه القصة الهدهد الرمز غاب و لم يأتي، أو ربما لم يذهب ليعود بالخبر اليقين من الذين اخترقوا الأرض و نهبوا الثروات، و كأن هنا ايحاء بالرضى و تقبّل ذلك الوضع المزري وتواطؤ مع العدو، و هي خيانة مُمَوهة، كما يمكن فهم المعنى على أنه الخوف الذي يلجم ألسنة الشعوب لقول الحقيقة الواضحة كالشمس بعد أن أشرقت،إنها إشارة رائعة للقمع المزروع في الأوطان العربية.
وهنا نلمس ترابط الجملة الأولى مع الجملة الثانية من القصة رغم ما في ظهرها من تنافر وهمي.
و في الأخير نرى كيف جاءت النهاية الغير منتظرة من طرف القارئ، حيث انتقل بنا القاص إلى مجال أخر و كأن لا علاقة له بالقصة في الظاهر، لكن بإعمال الفكر سندرك العلاقة المتينة مع بداية القصة، حيث حدثنا القاص عن القردة و نظرية دارون في التطور، فما علاقة هذه النظرية بموضوع القصة ؟
كما هو معروف نظرية دارون نقول أن أصل الإنسان عبارة عن قرد ( بغض النظر عن مدى صحة هذه النظرية ) و حين سمعت القردة و اطلعت على ما يفعله الإنسان بأخيه الإنسان فوق الأرض من شرور و تشريد و نهب و تقتيل، اعترضت القردة و هي ليست من البشر، و طالبت برأس دارون لأنه جعل أصل هؤلاء البشر منهم و هو شرف لا يستحقونه و إهانة لجنس القردة لأنهم لا يقترفون الشرور الكبير التي يقترفها بني البشر فوق هذه الأرض، و كأن القردة تستحي و تتقزز من جنس بني البشر ولا يشرفهم الانتماء إلى القردة و هذا رغم ما شرّف به الخالق بني الإنسان عن الحيوان، و الغرض من استعانة الكاتب بنظرية دارون هو أن يظهر لنا مدى بشاعة و انحطاطا طائفة معينة من الناس إلى أصبح الحيوان يهين الإنسان الذي كرمه خالقه بغض النظر عن جنسه و لونه و دينه.
العنوان : تدوير، فيه إشارة إلى دائرة أو مسار سلكه ذلك الإنسان، وعليه أن يتأمله ليرى هل يواصل علية أو يغيره في اتجاه أخر، و هو بين الغموض و فضح المعنى و هذا يكون العنوان في فن القصة بصفة عامة.
المفارقة : كانت قوية و واضحة و هي بين الذين نهبوا الثروات و الذين سكتوا عن هذا النهب الواضح، و قد كانت مبثوثة في ثنايا السرد المكثف دون الذهاب إليها مباشرة، وهي موحية و فيها تلميح دون التصريح ، فيها الإشارة دون المباشرة، كل هذا جعل القصة متينة و حسنة السبك.
التكثيف : كان جيدا، حيث لا يمكننا أن نحذف كلمة واحدة من النص لأن حينها المعنى سيختل، و قد أحسن القاص اختيار الكلمات مع حسن استعمالها في الموضع الذي يلزمها كي توصل وتكمل المعنى العام من القصة.
الايحاء : القصة كلها ايحاءات راقية جدا و تناص مع الكثير من المعاني الموجودة في القرآن الكريم، والقصة كلما كانت موحية كلما كانت أجمل وتأثيرها يكون قويا على شعور القارئ، كما اشتملت القصة على التأويل الذي زاد من جماليات القصة.
الخاتمة : كانت مدهشة إلى أبعد حدود الدهشة حيث نقلنا القاص نقلة لم نكن ننتظرها، جعلت القارئ يفكر و يفكر في تفسير تلك الخاتمة و كأنها سقطت عليه من السماء، ومع ادراك عمق المعنى تحدث الدهشة التي تصل إلى الصدمة.
القصة وموفقة جدا، محكمة البناء، متماسكة الأعضاء حتى و إن كان ظاهرها يوحي عكس ذلك،الصياغة متينة و ذلك بحسن استعمال الصور البيانية و الرمزية كالتاج فوق رأسها، زد على ذلك غناها في المعلومات الذي يدل على غنى الرصيد الثقافي للقاص.

أضف تعليقاً