للكاتب علاء محمد السوري
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
تَدَهْوُرٌ
أشعلَ نارَ ظنونِهِ؛ احترقَتْ بيادرُ حبّهِ.
ما هو الحبّ؟
* علماء النفس والمجتمع يصفون الحبّ بأنه شئ يتعلمه الإنسان، وأنه عاطفة يتعلمها الإنسان ويمارسها فى حياته.
* لكن الناس لا يعترفون يذلك ، لأنهم يعتقدون أنّ الحبّ كائن داخل الإنسان ، وأنه ينتظر لحين بلوغ ألإنسان مرحلة خفية من الوعى فينفجر بكامل عنفوانه.
* البعض منّا يرى الحبّ فى كلّ ما هو جميل .. إذ فيه عين اللذة والتى هى محبوبة لذاتها ، والبعض يراه فى أحلام رومانسية عاطفية ، وقد يهبط علي البعض شيطان الشعر عندما يقع فى الحبّ ، و.. و.. وغيرها من التصورات ،
وكان من رأى الإمام الغزالى فى الحبّ والكراهية ” كما جاء فى كتاب الحبّ والكراهية للأستاذ أحمد فؤاد الأهوانى”: ” إن هناك أربعة أصول نفسانية للحبّ والكراهية منها :
إنّ ما يوافق طبع المُدرك ويلائمه يلذة ويكون محبوبا ، فالحبّ عبارة عن ميل الطبع إلى الشئ المُلذ ، فإن تأكد ذلك الميل وقوى سُمى عشقا، وتختلف المحبوبات باختلاف الحواس “.
وعندما سئل عن أسباب الحبّ عدد جملة أسباب منها : ” رب شخصين تتأكد المحبة بينهما لا بسبب جمال أو حظ ، ولكن لمجرد تناسب الأرواح” كما قال “صلعم : فما تعارف منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف ” .
وعندما خلق الله ادم لم يتركه وحيدا فى الحياة الدنيّا ، بل خلق له من ضلعه أنثى ، تؤنس وحدته وتنور حياته ، ولينتجا معا بشرا ، بل كلّ البشرية.
إذن لولا الحبّ ما قامت الدنيّا ، ولولا الحبّ ما عَمُرت الأرض ، ولولا الحبّ ما بقى الإنسان ساعة زمن .
فالحياة إذن لا تستقيم إلا برجل وامرأة يجمعهما الحبّ والرحمة والمودّة والأمان فى دار واحدة ـ هى دار الزوجية ـ والتى قد تصبح دار نعيم مقيم وقد تنقلب إلى حفرة من نار الغيرة والأنانية وحب الذات فتنتهى بانهيارها على رؤوس من فيها .
يقول الأمريكى د. ليو بوسكاجليا فى كتابه الشهير المسمى ” الحبّ ” : إنّ الحبّ هو كلّ الحياة .. وقال فى تعريفه للحبّ نقلا عن أحد طلبته ” إننى أجد أن الحبّ مرآة، وعندما أجد إنسانا هو مرآتى وأصبح أنا مرآته ، وعندما يرى كل منا الآخر فى مرآته، فإنه كمن يرى الخلود “.
وأخطر أنواع الحبّ هو الحبّ الرومانسى !! فما أكثر صنوف العذاب التى يحياها المتعايشون فى حالات الحبّ الرومانسى العنيف، من غيرة وخوف وألم وفراق وانتظار وقلق، فهو الحبّ الذى يجمع كلّ التناقضات ، وإن كانت مباهجه أيضا بلا حدود،
تقول الكاتية الأمريكية بريت برايفو فى كتابها ” أسرار الحبّ البلورى ” : ” إنّ كلّ النّاس ما هم إلا تلاميذ فى مدرسة الحبّ الرومانسى “.
ما هو الحبّ ؟
قد يقول البعض إنّه حالة من حالات المسرّة وقد يراه أخرون أنه مجرد حالة ميالغ فيها من السعادة أو أنه وهم كاذب ، والحقيقة أنّ الحبّ هو كلّ تلك المعانى فى وقت واحد وكلّ تلك التعريفات فى جملّة واحدة ، وإن كان للحبّ درجات فهو فى النهاية شئ واحد .
الغيرة
الغيرة ما هى إلا منظار يحول الأوهام إلى حقائق ، ولكى ننجو من الغيرة نساءً أو رجالا ، يجب أن نتحقق أولا من أنّ غيرتنا لها جذور من الحقيقة ، وليست مجرد أوهام أو خيالات ليس لها أساس من الواقع ، وقد صنعنا منها هموما من الخيال .
وعن منشأ الغيرة يقول العالم النفسى الشهير فوريل : ” أن الغيرة ناشئة عن القتال الوحشى للحصول على المرأة بالقوة فى عصر الغابات ، حتى إذا ما أصبحت فى حوزته وجب الدفاع عنها من عيون المنافسين! “.
وقد تنبع الغيرة عند البعض من شعورهم بالدونية أمام الأخرين ، أو ربما حتى فقدهم احترامهم لذاتهم هم ، كما أنّ الإنسان الأنانى المُفرط فى حبّ التملك يحيل حياة شريكه فى الحياة إلى جحيم دائم، وإن كان بعض العلماء يقولون بأن الغيرة قد تكون إيجابية ومطلوبة فى الحياة الزوجية ، ولكن فى حدود العقل والمعقول ، فمن حق أحد الزوجين أو كلاهما أن يغير على الآخر ، فإنّ ذلك قد يُظهر الأهتمام المتيادل بينهما ممّا يزيد من الحميمية المغلفة بالثقة المتبادلة وليس الاتهام .
ومن المؤكد أن الغيرة السوية دليل على سلامة الحس والإدراك عند الإنسان ، بل ودافع على بذل المزيد من الجهد للعناية بمن نحب .
والغيرة هى إحساس فطرى قديم ومازال يعيش مع الإنسان ، وتذكر لنا الأديان السماوية من قصص الغيرة الأشهر غيرة السيدة سارة والتى غارت من السيدة هاجر وكلتاهما زوج لسيدنا إبراهيم عليه السلام، وأيضا غيرة قابيل من هابيل لمّا كانت زوجته هى الأجمل وكانت حادثة القتل الأولى فى تاريخ البشر رغم أن كلاهما أولادا لأدم عليه السلام .
والأن فلنعد لومضتنا :
تَدَهْوُرٌ
أشعلَ نارَ ظنونِهِ؛ احترقَتْ بيادرُ حبّهِ.
اتخذت ومضتنا الشكل الأمثل لجنسها وتوفرت فيها كل شروط الومضة المثالية الناجحة فقد توفر فيها : السبب والنتيجة ، التكثيف والإيحاء ، والمفارقة والدهشة والخاتمة المباغتة ، كما كان لها هدفا ومغزى ، وأيضا جاء العنوان محققا لشروطه .
العنوان تدهور : جاء أسم نكرة يفيد العموم غير فاضح لموضوع الومضة ، وفى المعنى : تَدَهْوَرَ الشئ : سقط من أعلى إلى أسفل ، وإن كان فى القيمة فيعنى التدنّى بعد علو .
المتن : جاء على شطرين ، سبب ونتيجة :
الشطر الأول : أشعلَ نارَ ظنونِهِ ،
وفيه استعارة جميلة حيث شبه ظنونه بالوقود الذى يمكن إشعاله لتنطلق منه طاقة ، والطاقة عادة لها مصرفين حسب توجيهها ، فإما أن تكون طاقة دافعة للأمام والرقى عندما تكون طاقة ايجابية ، وهذا ما نفترضه بحسن النيّة حتى الأن من شطرها الأول لأن مستخدم الطاقة هو من أشعلها ، أما المصرف الأخر لها فهو التدمير للأخرين أو للذات لو أُسئ استخدامها ، وهذا مالا نتوقعه .
الشطر الثانى للمتن : احترقَتْ بيادرُ حبّهِ
وهنا يصدمنا الشطر الثانى بمفارقة مدهشة حيث يخبرنا بالنتجة التى لم نكن نتوقعها بل يلقى الضوء على كلمات الشطر الأول لنعيد تفسير مفرداته على هدى مفردات الشطر الثانى ومعانّيه وما يرشدنا اليه عنوان الومضة أيضا:
البيادر جمع بيدر وهو المكان المتسع المعد فى جانب الحقل لدرس الحبوب كالقمح ونحوه ” الجرن فى لغة أهل الريف ” ، أى المكان المعد لأستخراج ثمرة الزرع من قشرتها للأستمتاع بها والتمتع بما فيها من خير وفائدة بعد جهد قد بُذل فى الزرع والرعاية .
على ضوء ذلك نجد فى الشطر الثانى أيضا استعارة أجمل من الأولى فى المعنى وتنير الشطرين معا وتلقى ألينا بالحكمة من تلك الومضة المكثفة الموحية ،
وجدنا فى الشطر الآول أن شخصا قد أشعل نار ظنونّه ، والتى فسرتها لنا كلمات الشطر الثانى بظنون غيرتّه الهوجاء المندفعة ، والتى غالبا لم تكن على أساس حقيقى ، وسعرّها للدرجة التى كانت كافية للقضاء على كل مساحات البناء لحبّ قد بذل فيه ما بذل من جهد ، وربمّا كان قد قدم فيه تضحيات لها وزنها ؛ حيث كان مجالها بيادر وليس بيدرا واحدا ، وفى لحظة عمى متهورة أشعل نار غيرتّه فكان ما كان وقضى بيده على حبّ كان فى علّ فتدهور وأحترقت مساحاته بينه وحبيبته .
والومضة بالتالى تعطينا مغزى حكيما ، أنّ فى الحبّ يجب أن تكون الغيرة محسوبة لتثرى الحبّ وتزيد الحميمية من خلال إظهار الاهتمام بالشريك وليس سوء الظن به وفقدان الثقة فيه.