للكاتب نظام صلاح

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

الغاية من هذه الدراسة هي الفائدة المرجوة من المحاورات النقدية التي قد تختلف رغم المرجعية الواحدة…

لا شكَّ أنَّ الرؤى الانطباعية حول أي نص في أي جنس أدبي قد تختلف حسب ذائقة المتلقي و اختصاصه و درجة ثقافته و قوة لغته و خصوبة معانيه…و تختلف كذلك تلك الرؤى حسب مزاج المتلقي الخاص و خاصة في لحظة قراءة و تلقي النص…لكنَّ هذه الرؤى الانطباعية عندما تتعالق بالصدفة و بمشيئتها أو بدون مشيئتها مع رؤى نقدية تطبيقية تختلط الأوراق و يصبح المزج بين الانطباع و التطبيق دون تحديد الفاصل بينهما منذرًا بالخلط لأفكار و أهداف و طبيعة النص.

لا مندوحة من القول إنَّ القراءة الانطباعية تبدأ بقراءة النص بشكل مراحل أو أجزاء سردية بدءًا بالعنوان كعتبة أولى للنص لتنطلق منه للبحث عن تبرير الأحداث في النص بطريقة منطقية تستند إلى المعنى المباشر لظاهر الجمل في النص، و أيضًا من خلال ما يمكن أن يتم إدراكه من المعنى المستبطن في قلب و عقل الكاتب و ذلك يتم من خلال تفكيك ما يقدم الكاتب من إيحاء و إضمار و تكثيف و رمز، ثم نحاول المزج بين المعنى الظاهر لجمل النص و المعنى المبطن الذي استقرأناه من تلك الجمل نفسها بالطريقة التي أوضحتُها سابقًا.

ومن السّقطات التي قد تصيبُنا و نحن نقدم نقدنا الانطباعي استخدام بعض نقاط النقد التطبيقي تحت عباءة النقد الانطباعي لتجيير معنىً معين أو لتمرير فكرة في بال المتلقي الناقد، و التي قد ننجح في تبرريها و تفسيرها و قد نفشل و هو الحال في أغلب الأحيان.
و من سقطات النقد الانطباعي أيضًا أنه يحمِّل النصوص ما لا تحتمل و مالم يكن في بال الكاتب أبدًا لحظة كتابة النص، و أنا لا أرى في ذلك ضيرًا حقيقة، فنحن نقول دومًا عن الققج أنها قصة ولادة تحرِّض في ذهن المتلقي العديد من الحكايات و القصص و بالتالي يمكن للمتلقي إنجاز نصوص موازية للنص الأصلي و إنشاء حكايات حرَّضها جمال النص الأصلي، لكن تلك التخيلات و القصص التي نبنيها لا تشفعُ لنا حين نقدم نقدًا للنص، لأنَّ نقد الققج ليس موضوع تعبير يطلبُ فيه الإبداع بناءً على جمله…أي هو لا يحتمل أي النقد لا يحتمل أن أستطردَ في خيالي وراء حيثيات لم ترد في النص، و بهذا يمكن أن نفهم أنَّ النقد الانطباعي ما هو إلا تفكيك الجمل و تحليلها و إيضاح الغامض من العبارات و الكلمات لتفسير بعض الغموض الذي يكتنف فكرة النص..و لتقريب الفكرة أكثر:
هبْ أنَّ عدَدًا من الأشخاص قاموا بقراءة نفس النص، فمن الطبيعي ألا يكون لهم جميعًا نفس الدرجة في فهم و هضم ذلك النص، فالبعض قد يصفه بالغامض و آخر قد يصفه بالتافه و البعض قد يصفه بالرائع و الجميل، و لفضِّ هذه الاختلافات في الرؤى حول النص يأتي هنا دور الناقد ليوضح ما تمّ الاشتباك و الاختلاف حوله، من ناحية إظهار فكرة النص من خلال تفكيك جمله وحدةً وحدة، و تحليل المعاني و المرامي التي تهدف إليها تلك الجمل، ثم إعادة ربطها جميعا ببعض ليكون نسيج القصة وحدة متكاملة المعنى و المبنى.
بناءً على ذلك فإنَّ النقد الانطباعي ليس الغاية منه تزيين النص و كأنَّنا أمام موضوع تعبير يفرض علينا أن نلبس كلامنا أجمل الحلل من التعابير، هو كما قلنا لا يعدو فك شيفرات النص لتقريبه من ذهن المتلقي الذي لم يستطع الدخول إلى عالمه و الإحساس بفكرته و الوصول إلى هدفه.
+++ فالنقد الانطباعي أول ما عليه فعله هو الأخذ بظاهر النص، و البناء عليه، فإذا استعصى و استغلق منه شيءٌ على الفهم، كان من الممكن اللجوء للتأويل لمقاربة فكرة النص و إيضاح بعض مقاطعه الغامضة، أما أن نجعل من النص قاعدة لإبداعنا التعبيري دون دلائل و قرائن مستقاة و مأخوذة بقوة من قلب النص فهذا يشطح بنا بعيدًا عن النقد و عن إمكانية القراءة و الفهم الصحيح للنص و بالتالي يخلط علينا أيضًا أوراق النقد الفني التطبيقي.

وللفهم أكثر سأقدم رؤيتي حول هذا النص من ناحية نقدية انطباعية و من ناحية نقدية فنية.
بدايةً أقول إنَّ النص بدون العنوان هو نص كتب بلغة شاعرية و هو يمتلك أسس و أركان الققج…لكنَّه واضحُ التأويل…بسيط المعنى…لا يستغرق جهدًا لفهمه و هضمه…فهو يتحدث عن شاب لاجئ ربما أو هارب من بلد عربي يتعرض لأحداث حرب ما، و هو يتجه نحو ألمانيا كرمز للغرب المتحضر…و كله أمل أن يجد لديهم ما افتقده في بلده من عدل و أمان و سلام، و في الطريق يشعر أنَّه قد تخلص من ألمه الذي تسببت به الأحداث في بلده و التي ساهم فيها كل العرب و عمَّقوا الجرح لديه، بل و ربما رمى هويته العربية خلف ظهره أملًا في الحصول على هوية جديدة بصفات غربية تتسم بالحرية و العدل لكنه يفاجأ بأنَّ أحلامه تتبدد و أنَّ الغرب لم يفعل شيئًا إلا أنَّه قد زاد في آلامِه و أحزانه…و قد استخدم الكاتب في نصه مهارة الكناية ليبتعد عن التصريح، فكنَّى عن فاجعته بالعرب و سوء أفعالهم و تخليه عن عروبته من خلال عبارة(استأصلتُ شَأَفةَ الألمِ مِنْ خاصرتي العربيَّةِ)..و كنَّى كذلك عن خذلان الغرب له من خلال استخدام عبارتيّ(فقأوا عينيَّ..و أهدوني نظارةً سوداء)…و في العبارة الأخيرة تحضر المفارقة بين تقديم الهدية التي توحي بالمحبة و بين سوء الغاية من تلك الهدية…فهي ليست هدية للمحبة بل هي هدية للتغطية على العيب الذي تسببوا له به، كي يستمر بالنظر إلى العالم من خلال نظارة سوداء توحي إلى الشعور باليأس و الإحباط لتستمر معاناته إلى الأبد.

أضف تعليقاً