النص للكاتب غريبي بوعلام
النص على مجلة لملمة من هنا
القراءة
تقدمة:
عندما انتشر الإسلام كدين حنيف، كان الهدف من ذلك إقامة شرع الله في الأرض، والارتضاء بحكمه وحده لا شريك له، وهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وكذلك خلاصهم من عادات الجاهلية وقوانين الضلال، وتحقيق المساواة بين العباد…إلخ من فضائل الدعوة. وقد مرّت هذه الدعوة عبر عدّة قرون بمضمون الرسالة الواحدة، بدأ بنشرها نبيّ الرحمة محمّد صلّ الله عليه وسلّم وأكمل المسيرة من بعده خلفائه الراشدين بنفس المفاهيم دون الحياد عن منهج الرسول، وكذا فعل من بعده الخلفاء في كل مراحل حكمهم سواء في زمن الدولة الأموية أوالدولة العباسية…إلخ.
إذاً الرسالة واضحة المعالم، وأهدافها سامية، ومن تعاليم تلك الرسالة انتشر الإسلام في معظم الأقاليم بالموعظة الحسنة والدعوة العقلانيّة، ولم تقم الدولة الإسلامية كما يظن البعض بالسيف البتّار وإراقة الدماء، ولم يلجأوا لذلك الأمر إلا عندما تعرّض المسلمون من أذى تلك البقاع…نستخلص من ذلك أنّ الدعوة لم تحِد عن منهاج النبوّة، ففيها الخلاص وفيها الكمال..((رفعت الأقلام وجفّت الصّحف))…والدليل القرآني على لسان رسول الرحمة: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}، فالدين قد اكتمل، ولم ينقص في يوم من الأيام ، ليأتي بعد ذلك من يدّعي العلم ويريد إكمال الرسالة لمجرّد اتباع الهوى، أو سعياً منه لمرضاة أسياده واضعي المخطّطات الهدّامة والتي حيكت لتشويه صورة الإسلام السّمحاء وذلك باسم الدّين، والدين منهم براء، وللأسف فقد تمكّن أصحاب تلك الدّعوات من الوصول للمنابر وبثّ السّموم من خلال الخُطب والمنشورات لتجنيد البسطاء والجهلة لمصلحتهم دون دراية بالمؤامرات التي حيكت من وراء تلك الدّعوات، وفي واقعنا الحالي مشاهد حيّة حدثت لتشويه صورة الدين وإلصاق تهمة (الإرهاب) به، من جرّاء أفعال هؤلاء الغافلون عن الحقيقة.
-العنوان:
خندق: بمعنى حفير حول المكان، وهو أخدود عميق مستطيل يُحفر في ميدان القتال ليُتقى به الجنود.
والفعل: تخندق بمعنى احتمى وتحصّن.
وفي هذا المقام، العنوان له مدلول فكريّ عميق، فالخندق هنا هو تلك الزّاوية الضيقة السوداويّة في الفكر، والبعيدة عن المساحة النيّرة من الفكر الراقي، وكلّما ازداد عمقها في الدّماغ ازدادت السوداوية والصورة المظلمة للفكر، وبالتالي طمس الحقيقة الصافية داخل ذلك الخندق.
فالعنوان (خندق) موفق لاختيار الموضوع.
-التحليل الأدبي والفني:
(بدل أن يخلع نعليه عند باب المسجد)
استهلّ القاصّ قصّته بجملة تحفيزيّة سريعة لاختصار ما قبلها من تبعيات أدّت إلى وقوع الحدث، فعند الذهاب إلى المسجد يتطلب قبل دخوله خلع النّعال، ولكن بطل القصة هنا خلع شيئاً آخر غير نعليه، أي وضع هذا الشيء خارج عتبات المسجد، وهذا هو المخفي عن المشهد، فالمشهد يُظهر لنا أنه خلع نعليه وهذا أمر اعتياديّ يفعله الجميع، فلا أهميّة لهذا الأمر المرئي لأنه من البديهيات، لذا لم يكترث القاص لتلك الصورة بل أخفاها مع أنها ظاهرة للعيان، وأظهر بدلاً منها صورة أخرى مخفية غير ظاهرة للعيان، ألا وهي صورة خلع الشيء الآخر الأكثر أهمية لسياق الموضوع، وفي ذلك إشارة على أنّ بطل القصة هو من الشخصيات التي تلقّت تعليمات سابقة من أتباع الخطيب أو ربما من الخطيب نفسه، وهي دعوة للإسراع وحضور الخطبة بكل جاهزيّة.
(خلع عقله)
هنا أفصح القاصّ عن الشيء الذي خلعه فعلاً قبل دخول المسجد ألا وهو (العقل) وهذا الخلع من أساسيات حضور الخطبة المدعو لها وإلّا فإن الأمر لن يجري كما أراد له الخطيب وأتباعه، والأمر لا يلزم أكثر من ذلك.
إنّه العقل، والعقل هو مجموعة من القوى الإدراكيّة التي تتضمن الوعي، التفكير، المعرفة، الحكم، اللغة والذّاكرة.
وهو المسؤول عن معالجة المشاعر والانفعالات مُؤدّياً إلى مواقف وأفعال، وعليه فالعقل يُعرف بملكية الشخص الفكريّة والإدراكيّة.
إذاً العقل هو الأساس الذي يجب خلعه قبل الدخول إلى المسجد، لتبقى القشرة المخيّة صفحة فارغة من السطور وما بين السطور، وبطل تلك الشخصية مؤهّلاً لذلك لعدة أمور، أهمّها: الجهل، الحالة النفسية التي تتملّكه، الوضع المادي والمعنوي المترديّان، الحالة الاجتماعية المتردية كالانفكاك الأسري…إلخ من إحداثيات تلمّ بتلك الشخصيّة..كل تلك العوامل تجعل منه فريسة سهلة للإيقاع بها.
(همّ بالخروج باحثاً عن عقله)
انتهت الخطبة، وسعد الخطيب لرؤية تلميذه الجديد، خاصة عندما تيقّن بتأثير خطبته على ذاكرة المجنّد القادم، ليصبح الشخص المناسب لمجموعته الفاسدة، بعدما ترسّخت في ذاكرته المفاهيم الجديدة ذات الأفكار الهدّامة، لذا همّ ذلك الغافل بالإسراع للبحث عن الأداة التي يحفظ فيها تلك المفاهيم الجديدة، وهنا تبرز القوّة الإبداعية والحرفية القصصية لدى القاص عندما استخدم جملة (باحثاً عن عقله) وهي جملة مجازية رائعة في توظيف المعنى الحقيقي للحدث وهو البحث عن العقل الذي تركه خارج عتبات المسجد، لينتقل بنا بعد ذلك إلى جملة مجازية أكثر روعة.
(وجده أسفل نعليه)
نعم تلك هي القفلة الصادمة والمفارقة المدهشة، فالجملة المجازية هنا في منتهى الروعة والإتقان في السّبك والحبك، فمنذ البدء خلع نعليه ولم يذكر خلع الحذاء، وفي نهاية القصة وجد نعليه واما العقل فقد أصبح غائباً عن العيان، لذا أجرى عملية البحث ليجده بصورة وهمية تحت نعليه.
لذا الحقيقة تبقى والوهم يزول، والعقل الجديد باطل وغير مؤهّل للحكم العقلاني النابع من الفطرة بعدما امتلأ بذاكرة ظلامية ينجم عنها أفكاراً هدّامة وأفعالاً ردّامة، فهذا عقل ناقص خارج سيطرة الفطرة وبعيداً عنه مبعث النور والحق والهداية لما يحمل من أفكارٍ دون مستوى الإنسانية الراقية..سبيله فقط داخل تجاويف (الخندق) الذي أُعدّ له، فهناك مثواه الأخير.
ققج رائعة جدّاً لمبدع غنيّ عن التعريف قرأنا له أعمالاً أدبية ذات مضامين فكرية وثقافية عالية المستوى.
كلّ التوفيق والسّداد للأستاذ غريبي بو علام في أعماله القادمة.