للكاتب بسام الأشرم
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
صديقي بسام أديب بارع.. وهو مجتهد.. ومثابر .. ونصوصه القصيرة لا تشبه أغلب النصوص الشبيهة التى يغلب عليها السعي نحو البساطة بسلق الفكرة، أو الإيغال فى الغموض بسبب السعي الى التكثيف المبالغ فيه. والذى ينتج غالبا عن عدم مواءمة الفكرة للتكثيف. أما بسام فيدرك بغريزته وموهبته اللقطة التى تناسب التكثيف، فيشحنها عن طريق اللفظ المناسب، والصورة المتقنة بأقصى طاقه حتى لتماثل طلقة مظفع فى قوة توهجها وعمق تأثيرها، بالإضافة الى أن فهمه لدوافع التكثيف ومهاراته يجعله قادرا على صياغة الفكرة فى كبسولة دون أن تفقد الوضوح و أو يغيب التأويل، أو تفتقد متعة التلقي. والشخص فى النص هو نموذج للإنسان المعاصر فى خاصيتين يجدهما بسام الأولى بالملاحظة، الأولى أنه لا يعتبر من دروس التاريخ. فرغم أن التاريخ يكرر نفس المحن والدروس المرة بعد المرة، فإن الانسان المعاصر وخاصة العربى) لا يقرأ تلك الدروس وإن طالعها، وهو يستمتع بالمشاهدة كفعل آلى لا يرسب قيمة ولا يمنح رؤية، فالشخص يجلس اسِطاً ساعِدَيهِ فوقَ بعضِهِما على حافةِ مكتبِهِ قاطِباً حاجِبَيهِ
مُحَدِّقاً بِشاشةِ جهازِهِ. هو يجلس فى هيئة يغلب عليها الجد والاهتمام الذي سوف نكتشف لاحقا أنه ليس مصروفا الى استلهام الرؤية والتجربة، بل هى هيئة كاذبة مصطنعة أو هي مبالغة توحي بالحس الساخر المراوغ كما فى غالبية نصوص بسام. وموضوع المشاهدة هو فيلم تاريخى تدور أحداثه حول ممارسات محاكم التفتيش، وكيف استغل الخلط بين السلطتين الزمنية والروحية فى العسف بالكرامة الانسانية تحت دعوى محاربة الهرطقة، ونال المسلمين مانالهم فى أسبانيا بعد انهيار دولتهم، فبترت رقاب ومزقت أجساد . والشخص فى النص يتملكه الذهول من هول المشاهد التى يتابعها متسائلا: ( أمعقولٌ هذا .. ؟! أكانَ الإنسانُ ذاتَ يومٍ يَمُطُّ عُنُقَهُ طَوعاً لِذابِحِهِ .. ؟!) .. لكنه فى الوقت ذاته لا يدرك أنه واقع فى ذات المأزق الذى استهجنه فى أحداث الرواية التاريخي، ونأتي الى الملاحظة الثانية التى يتصف بها الانسان المعاصر، وهى استسلامه المهين للميديا التى صنعت عالما من الأوهام والأكاذيب، فشوهت القيم الأصيلة، وابتكرت نماذج هابطة صارت لشيوعها وبهرجها بديلا للمثل الأعلى، وفرضت نمطا استهلاكيا يزدرى بكل القيم الانسانية الرفيعة لصالح السالعة. والانسان المعاصر الذى يمثله الشخص فى النص يكرر نفس النهج الذى استهجنه فنراه يمد عنقه مقتربا من شاشة الجهاز (نبى العصر) .. فى مشهد موحى. لتتجاوز ضربة سيف حدود الشاشة فتفصل رأسه عن جسده. والمعنى المضمر أن تلك الميديا ذاتها التى تصنع الابهار، هي التي تقوض سلامه النفسي والمادي، وهى التى تقوم بدورها الفتاك فى العبث بثوابته وأصوله، والمشهد الأخير الذى ينتمي الى الغرائبية فى سياق سرد واقعى هو استخدام راق ومحكم للواقعية السحرية التى لم تفقد ولن تفقد ألقها أبدا بعيدا عن التهويمات الحلمية الكابوسية التى تعج بها النصوص التى تتحرى الأسهل، تحياتي وتقديري لك صديقي الرائع بسام الأشرم.