النص للكاتب اسامة الحواتمة
نص القصة على مجلة لملمة من هنا
القراءة
جد كل جنس أدبي يعتلي المشهد الثقافي في زمانه، يجد نفسه مطالبا على المستوى الفني بالتعبير عن الحساسيات الذوقية المهيمنة في عصره، وبرصد نبض المجتمع وقضاياه الضاغطة على المضامين والرسالة، كما يجد نفسه مطالبا بالنهوض، فنيا طبعا، بأداء أدوار أخرى، مثل دور “التأريخ”. وهذا ما طولب به الشعر الذي أصبح “ديوان العرب” عندما تسيد المشهد الثقافي، فتضمن أيام العرب وأنسابهم، حلهم وضعنهم، سلمهم وحربهم. وهذا أيضا ما طولبت به الرواية في أوج ذيوعها، فأضحت، كما يقول الكبير عبد الرحمان منيف، “تاريخ من لا تاريخ لهم”، فرصدت تحولات المجتمع العربي وحساسياته الفكرية والإيديولوجية. وهذا ما تجد القصة القصيرة جدا نفسها مطالبة به اليوم وهي تحضر مشهدنا الثقافي وحولها إجماع والتفاف كبيران. فكيف يشتغل التأريخ في القصة القصيرة جدا من خلال قصة دبلوماسية للمبدع الأردني أسامة الحواتمة؟
إن تاريخ الأرض من تاريخ الشعوب التي تداولت عليها، وأديمها من أجساد من سكنوها ومن بقايا حضاراتهم وتراثهم ومنجزاتهم، في حلهم وترحالهم( أثافيهم وأنعامهم)، وفي سلمهم وحربهم( معاولهم والرماح)… إلى درجة التمازج والتماهي بين الأرض والشعوب، وإلى الحد الذي تصبح فيه أرضنا امتدادا لنا، فيها جذورنا ومنها عمقنا النفسي والشعوري، وهو ما يمنحنا ذاك الإحساس القوي بالانتماء.
إن قصة “دبلوماسية” القصيرة جدا، وهي تستحضر هذا البعد الانتروبولوجي، تذكرنا بتاريخ هذه الأرض الذي هو جزء من تاريخنا، وهو استحضار يذكرنا بالعمل التأريخي الكبير الذي قام به روائيا عبد الرحمن منيف في رائعته( مدن الملح)، عندما تعقب الخط الكرونولوجي لهذه الأرض ما قبل النفط وما بعده، في عمل روائي ضخم (خماسية التيه- الأخدود- تقاسيم الليل والنهار- المنبت وبادية الظلمات)، لكن فرادة المبدع المتعمق أسامة الحواتمة، تكمن في قدرته على جر التاريخ، والذي هو مبحث تفصيلي، إلى الحارة الضيقة للقصة القصيرة جدا بتكثيف عال وغير مخل، وبرمزية دقيقة جعلت كل لفظة من البناء اللغوي للقصة حقبة حافلة بالأحداث والتغيرات:
– مرحلة ماقبل النفط: الأجداد، البداوة وتتبع مساقط الغيث ( الأثافي والأنعام) وهي المرحلة التي عمرت طويلا وشكلت ملامح الشخصية العربية الأصيلة حيث ارتباط الانسان بالطبيعة في انسجام وتناغم وعلى إيقاع دورات الحياة سلما( المعاول باعتبارها من ادوات الزراعة والاستقرار) وحربا( الرماح).
– مرحلة النفط والتحولات المؤلمة التي حملتها رياحها على المنطقة بعد التكالب الكبير من طرف كل القوى الاستعمارية والتي حولت ترسانتها الحربية جهة البلاد والعباد، والنموذج التدميري واضح من خلال ما وقع “بأرض السواد” ارض العراق ( وألفت انتباه القارئ أن رواية ارض السواد أيضا هي من اعمال الروائي عبد الرحمن منيف)، اصل الحضارة ومهدها، وضحية نفطها وثروتها التي تصدر إلى تلك القوى الطامعة في وضع اليد على منابعها (صدرناها كبريتا لأعدائنا)، أشعلوا الأرض، أرضنا، حربا مستعرة تقتات من أموالنا وثرواتنا، ولقد توفق المبدع أسامة الحواتمة غاية التوفيق في التعبير عن كون وقود الحرب المعلنة ضد أرضنا تتغذى من ثرواتنا وأقواتنا من خلال توظيف علاقة أعواد الثقاب بالكبريت ( أعواد الثقاب تصنع من الكبريت والذي بدوره يُشتق من النفط) ليصبح المصير شبيها بمصير التي بحثت عن حتفها بظلفها، ويصبح النفط الذي كان مأمولا منه أن يجلب الرخاء والازدهار إلى المنطقة، يصبح وبالا عليها وعلى شعوبها، إنها دبلوماسية ما لا نستطيع أخذه نحرقه ، دبلوماسية وضع اليد على خيرات الارض والعباد، دبلوماسية أن تعطيهم ثرواتنا جزية ونحن صاغرون.
هنيئا لكم مبدعنا الأردني أسامة الحواتمة على هذا النص الشامخ والذي روّض الصعب، وجعل القصة القصيرة جدا تلبس لباس التاريخ الفضفاض.