للكاتبة كفاح قواس

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

رسالة.. عنوانٌ محيرٌ، توقفت عنده كثيراً، وعندما اندمجت في النص وجدته أيضاً حائراً بين السرد القصصي وسرد الرسائل.. رأيته تارة يسرد قصاً (لو أنها تبعد ساقها قليلاً عن بطني، وتلك التي ألقت رأسها على كتفي واستسلمت للشخير، هل أهزها لتعتدل وترحمني وترحم هذه العتمة الثملة كالأطياف)
بهذه الفقرة بدأت الكاتبة المبدعة نصها وهو عبارة عن سرد قصصي هيأت به المتلقي لمعاناتها وإن كانت لم توضح أين حدث ذلك هل هو في حافلة أو في زنزانة سجن وهو الأقرب إلى الصواب بكلمات العتمة الثملة كالأطياف وهي صفة الزنزانة.
ثم دخلت بالفقرة التالية إلى نص الرسالة.. (هل تذكرين يا إيمان كم ضحكنا من قلوبنا حينما نشرت على صفحتك معاناتك مع القمل؟ّ!)
استطاعت الكاتبة بذكاء نقل المتلقي من فحوى قصة إلى رسالة تتحدث عن ذكريات، وتشده إلى المعاناة التي تلظت بصهيد سياطها، الساردة، من خلال رسالتها إلى صديقتها إيمان وجعلتنا ندور معها حول العمود الأساسي في النص “القمل” وكلنا يعرف كيف يعيش القمل بين خصلات الشعر المتيبسة والمتلاصقة من تراكم الأوساخ العالقة بالشعر لعدم قدرة صاحبه على الاستحمام، وهذا ما يحدث في دهاليز وزنازين السجون المقيتة.
وتستمر الكاتبة في حديثها كساردة لرسالتها لصديقتها إيمان (ضحكنا وضحكنا عندما قيل لنا أن القمل يباع في بعض البلاد.. لماذا لم تصدق مع أننا في سوق النخاسة نباع وأوطاننا)
هنا ظهرت البراعة اللغوية والرمزية القوية للتعبير عن كثير من البلدان الفقيرة والتي يعاني مواطنوها من الفاقة والإملاق مما يؤدي إلى تكاثر القمل في شعور أجسادهم وذلك بجملتها ” القمل يباع في بعض البلاد ” ثم تواصل تصوير الحياة القميئة في أوطاننا وفظاعة الأحداث المفزعة في أرجائها بجملتها “مع أننا في سوق النخاسة نباع وأوطاننا” وتتلاحق موجات إبداع الكاتبة في رسالتها إلى صديقتها التي تفتقدها لعمق الصلة العاطفية بينها (أرجو ألا يكون طيفي قد شاغب على حلمك وأنت تبحثين عني.. اعذريني يا صديقتي، كنت أريد زيارتك بثوب جديد ووجه نظيف لكنهم لطخوا جسدي بركلاتهم) وقد وضعت صديقتها في وضع تعريفي للحالة التي تعيشها، وتستمر في شرح حالتها وكيف كبر جسدها وتعود على الركل وكيف تعلم امتصاص أوجاع الركل وتتقاذفها الأقدام من رصيف إلى رصيف.
ثم تهوي بالقارىء إلى جملة صاعقة تعبر بحدة عن أصناف التعذيب التي يتعرض لها الإنسان في سجون المظالم (كيف لم تقض صعقات الكهرباء على القمل في رأسي) وقد عبرت الكاتبة عن مدى الصراع النفسي والفكري للمسجون ظلماً لأن القمل لا يسكن الرأس بل شعر الرأس ويرغب الإنسان بحك جلد رأسه باستمرار من وخزات القمل أما الفكر والعقل المضطهد فإنه يأكل كل الجسد.
وبعد هذا الوصف الرائع تتهادى الكاتبة في تعبيراتها بدقة متناهية عن وسائل التنكيل والتعذيب في غيابات الزنازين فتضطر إلى الاعتراف بكل التنظيمات التي تنتمي إليها ثم نقلة سريعة إلى فحوى هذه الاعترافات التي أجبرت عنوة عليها (اعترفت بكل الشرور الىي سألوني عنها) وهي اعترافات غير حقيقية ولكنها لرغبة الكاتبة والتي تتحدث عن نفسها كساردة في رسالتها للتخلص ولو للحظات من هول وآلام العذاب والتنكيل.
وبعبارة رشيقة جعلت المتلقي يتفهم طبيعة الإتهامات التي توجه إلى الإنسان المخلص لوطنه ويبحث فيه عن الأمن والأمان بحرية (فأنا مسجل خطرة منذ الصغر مرة حلمت بلعبة بشعر أصفر.. ركلت ومرة حلمت ببيت للعبتي الجديدة فركلت)
ولقد تفوقت الكاتبة على قلمها بهذه الفقرة، فهي مسجلة خطرة منذ صغرها في ملفات المحققين لأنها حلمت بلعبة بشعر أشقر فركلت وضربت وعذبت لمجرد أنها حلمت يوما بتملك لعبة “الحرية” أقصد أنها حلمت بالتمتع بالحرية كما في الدول المتحضرة ثم عذبت لأنها حلمت بأن يكون لها بيت ترتع داخله بحرية، فكان مصيرها الركل بالأرجل والضرب المبرح، وتتوالى تعبيرات الكاتبة المبدعة وكيف أنها ركلت وضربت لمحاولتها مقابلة حبيبها.. أي مقابلة؟ أحبّت حياتها بحرية ودون مراقب يتصيد أخطاءً ربما غير موجودة حتى ركلت هدفاً في شبكة الحياة موتاً، أي أنها تعيش الحياة بإحساس الموت.
قبل أن تصل بنا الكاتبة إلى الحبكة الرائعة، تأخذنا لمعاناتها كسجينة في جب المظالم، وكيف أنها أرادت أن تحصل مقابل اعترافاتها الباطلة على دلو أو كوب ماء لتغسل وجهها من الدماء السانحة في شوارعه الممزقة لكي تقابل صديقتها بوجه نظيف حتى لاتجعلها تكتشف شدة البؤس وحجز الحريات داخل الوطن، وأخيراً وبعد هذا السرد الرائع تنقلنا إلى الحبكة المعبرة بقسوة وشدة مؤلمة جداً.. (ألم أخبرك قبل أن أختفي أن القمل يزرع في بعض البلدان في الشعر)
بهذه القفلة الرائعة نقلت الصورة المؤلمة للمواطنين في كثير من البلاد وكيف يزرع القمل في شعر المساجين في أقبية المعتقلات القميئة وبهذا تقدم ملخصاً رائعاً لنصها بكلمات قليلة.. وإذا عرفنا جنسية الكاتبة السورية وقد عاشت فترة طويلة داخل وطنها تحت وطأة الحكم البوليسي الشامل وهذا يضعنا في فحوى نصها المعبر.
كل التحية للكاتبة المبدعة كفاح قواس على هذه الرسالة أو القصة القصيرة الرائعة والمعبرة .
أتمنى على الله العلي القدير أن أكون وفقت في قراءتي.. وهو ولي التوفيق.

أضف تعليقاً