النص للكاتبة جمانا العامود
نص القصة على مجلة لملمة من هنا
القراءة
سولو SOLO
مفردة تعني الانفراد أو العمل أو المقطع الفني الذى يؤديه شخص واحد فقط، و فى السياحات الشعرية يمكننا أن نتطرق استطراداً لكل تألقٍ أو توهجٍ فردي
و يمكننا أيضًا- مجازًا وجدانيًا محلقاً- أن نوسع للجهات المقابلة فنتخيل بالنسبة للأشخاص:المعذب المنفرد،الشقي المنفرد،المجابه للعالم فى انفراد متميز، أي الذي يعني انفراده و تمركزه حول الذات ( تقوقعه ) بكيفية خاصة ووضعية مميزة.
-العنوان إذن (سولو) يتيح لنا مساحات من التهيؤ لاستقبال نص ( متمركز ) حول ذاته , متذكرين الإشارات الوجودية حول التحقق وإثبات الذات و مخاتلة الوجود كمشكلة و مقولة وتعرُّف , [ و أيضًا قلق ]. وأهمية العنوان و تناغمه مع المتن هى أهمية كبرى و معروفة و أساسية , و قلنا قبلا أنه السماء التى تظلل الباحة, و هو قوس قزح ينثر ألوانه و بهجته على الأمكنة، و يداعب الأعين المتطلعة فى ولهٍ واشتياق، العنوان هو موسيقى النص الخلفية، ويماثل الإضاءة المسرحية الموحية للمشهد و مقدمة الأوبرا التى تهيىء نفوس المشاهدين و خيالهم لما هو قادم من أحداث بغير أن يكشف أو يفضح، و يمكن اعتبار العنوان هو النص نفسه فى روحه العميقة أو البذرة التى تماثل حبة ضئيلة، و بعد النماء تكون شجرة عالية
متفرعة الأغصان نتفيؤ ظلالها، هي رباطه الضام الداخلي بالمتن كارتباط الجنين بالأم ومسكنه الرحم، هو العتبة الهامة الراسمة لأجواء النص، و الموحية بنبضه، و المتصلة به بخيوط عضوية و روحية _ بل و هندسية أيضًا _ تشكِّل المقدمة الفلسفية له ميتافيزيقيًا، و هنا كان العنوان نموذجًا رائعًا فى دلالته، بعد الانتهاء من قراءة النص كله و ارتباطه الحميمي بمغزاه و آفاقه فمثَّل الالتفاف الذى هو سمة من سمات القصة القصيرة جدًا الناجحة.
بطل هذا النص الشعري ( القصة\ القصيدة) طفل يتهيأ لدخول مرحلة الشباب,
و ككل مراهق فى سنه تعتريه أخيلة لا نهائية تتصل بقطبين متضادين يشتعلان
داخله، الرومنسية الجامحة و الشهوة فى عنفوانها الذى يطبع البدايات
الزاعقة، فرؤيته لهذه الفتاة ( الحُلم المُغَّنى المتأوِّد ) إذن تحوطها كل لغات القلب و مفردات التوله و الخيال المشوق، ولابد أن تكون لجماليات التغزل مفرداتها الخاصة التى يعيها جيدًا العشاق الأسطوريون و يخوض فى غمار سذاجة بكارتها الأولى المراهقون الحالمون و لأن المشية من عناصر الجمال الأنثوي التى تحاول النساء موسقته بما يماثل حركات الطيور و خطوها _ على اختلافها كالقطا و النورس يختال على الشواطيء _ فى تثنٍ و تدلل ووهن …فهي مماثلة، لها منطقها الجمالي و ترددت كثيرًا فى أشعارٍ منها على سبيل المثال: قول الولادة بنت المستكفي : “أنا واللَه أصلح للمعالي وأَخطر خطرتي وأتيهُ تيها “
و قول المتنبي: فهى تمشي مشي العروس اختيالا و تثَّنى على الزمان دلالا
و قصيدة لورد بيرون:
She walks in Beauty
أى تمشي فى جمال أو تخطر فى دلال. و فى ترجمة بالغة الروعة لحسن حجازي تسبح ُ فى سحر الجمال.
الكاتب/ة هنا أضاف لهذه الصورة الشائعة رسمًا تستحق أن يسجل باسمه، حين جعل المشية كأنها قصيدة كاملة أو سِفر و لغة لها( أبجدياتها ) الخاصة التى تتطلب تأملا و انشغالا .. أبجديات هى كحروف المدرج الموسيقي فى النوتة تتشكل لحنًا كما المفردات تنتج قصيدةً و نشيداً، هنا جسد الكاتب/ة لنا صورة الفتاة في عينيه، حين استخدمت لفظ (الأبجدية ).
الكاتب/ة قال أنه [يتأمل ] لكن طبيعة هذا التأمل مستخرجة من روح الفتى نفسه و ليس بلسان المؤلف/ة متمحورًا فى اللفظ العجيب ( أبجدية المشية ) وهو وصف مذهل بحق واسع الدلالة، كما نقول ( خرائط الجسد ) مثلا والصورة المتابِعة المؤكدة هى التالية حيث تغترف من آهات الألحان تقاسيمَ تتشكل على أوتار قيثارة خصرها،هنا ارتسمت الصورة تمامًا بواقع سينمائي بصري حركي، كما يعتمل داخل عين الفتى ووجدانه ليرسم عندنا نحن متلقي النص نفس الصورة بالتماهي و التقمص، فالقاصة تتكلم من داخله هو بلسانه _ ( تأكيدًا لحالة
الانفراد الوجداني الذاتي العميق البؤري) و ليس باعتبارها المؤلف.
و بعد التصوير العام لسماء النص تبدأ النقطة الحاسمة المحددة لدراميته و نقطته البؤرية بظهور فعالية البطلة فى مقابل عالمه الذاتي لتتحدد الأدوار، هى تناغي { \ تلاعب \ تداعب \ تشاكس \ تراوغ \ تحايث \ تماهي \ تحاور} طفولته القلقة … و هى تعلم الألوان التى تجتاحه بتناقضاتها الرومنسية و الحسية الجسدية بتأثير فتنتها فى نظر فتًى غض الإهاب، وهوبالمقابل يزيح مؤقتا شعرية المنحى الرومنسي كونه حلمًا عصيًا وأملاً مستحيلاً، أو كما وصفه البارودي (وتَمنَّى نَظرة ً يَشفِى بِها علّة َ الشوقِ، فكانَت مَهلَكا) وكما قيل (كفايتنا منه النظر ) فقط، فيهرع إلى داخله مختزنًا ما يتيح لشبقه الذاتي عوالمَ وأبنية فى الممارسات الذاتية الليلية المنفردة للمراهقين ( سولو )، فينضج فى وحدته -هكذا يخيل إليه- ويحقق وهماً هو غير ممكن معها فى عالم الحقيقة.
“يتأمل أبجدية مشيتها”… تعزف نظراتُه آخرَ تقاسيمه على أوتار خصرهاهي تناغي طفولَته، وهو منشغلٌ في توضيب ليلته فوق سريرٍ ناضج .
“أبجدية مشيتها ” صورة حققت الجمال الأسلوبي حين صورت المشية حروفًا ستشكل معانيها فى فؤاد متيم، و كأنها تخطر على ثبج البحر مائسةً على رؤوس الأمواج،
و الاحتدام الدرامي تمثل فى التقابل بين وجهتي النظر: ناضجة كبيرة وفتى غرٍّ مراهق،
هى تناغي طفولته _ ربما فى مكر أنثوى يفخر بالتوهج _ بينما ينشغل هو فى افتراض معاكس خيالي فى ترتيب إيروتيكى بفعل اختزان شعوري مقصود مرهق و معذب , ها هنا يتداخل الألم مع اللذة عند كليهما، هي باعتبارها معذبته التى تعلم مدى سحرها داخله وتتمثل أرقه شفقةً، لكنها تؤكد أنوثتها القاهرة فى الوقت نفسه، وهو باعتبارها الحلم المستحيل و الأمل العصي الممنوع التحقق، لكنها تحقق له المعنى الجميل بشقيه الروحي و الجسدي ( تمثلا)
“تعزف نظراتُه آخرَ تقاسيمه على أوتار خصرها”ـــــ صورة بليغة و لها رنينها الجمالي وتشكل مع مفردة أبجديتها معزوفةً تراعي تفاصيل جسدٍ يتثنى، يموج فتنة و يجتاح المشاعر، الجمال الحسي هنا يكتسي مسحة عذرية جمالية بعيدًا عن مضمونها الجنسي، واللغة بشعريتها ساهمت فى نشر العطور للمشهد فأعطته حياةً مغناة و جعلته كالنشيد،
لا نستبعد المنحى الأوديبي لصبي يقع فى مرحلة وسطى بين عالم الطفولة و عالم الكبار و تختلط الأمور عنده ما بين حميمية الأم فى تعاطفها النبيل و عالم النساء الساحر الذى هو شديد الغموض بالنسبة إليه و يحاول هتك ستره.
النص قصيدة غزلية و ملمح نفسي حقق الشرائط فى تصوري للقصة القصيرة جداً
مشهديًا و شعريَّاً _ الشعرية و الشاعرية _ و حركيًا و قفلة كسرت بصدمتها أفق التوقع بعد انسيابية شعرية معلنة و لغة منتقاة موظفة لخدمة النص، و شرط التكثيف متحقق بصورة تامة فلا يوجد حرف زائد رغم أن النص بطبيعته مشهدي وصفي جارف كان يمكن أن ينزلق الكاتب فى الإسهاب فى التعامل معه و هو يرسمه ، و اختلطت معاني الإيروتيكية بالرومنسية فى تناغم و هارمونية رغم تناقضهما _ و ربما ارتباطهما فى رؤية أخرى بالمستحيل _ كما حدث مثلا فى رواية السراب ( العلاقة مع الأم فى مقابل الضعف الجنسي، النفسي، مع الزوجة ) ، و بصورة أوضح فى فيلم ( أنطونيو الجميل ) لمارشيللو ماسترويانى و بريجيت باردو التى أحبها حبًا عذريًا ملك كيانه ففشل فى الناحية الجسدية باعتبارها من وجهة نظره المثالية تحطيمًا للبناء الشفيف فى حين أقام العلاقة الكاملة مع الخادمة.
الغريب أن القفلة الحسية هنا لم تهدم شعرية السياق و انسيابه رغم صراحتها المفرطة لأن هيمنة التصوير الرومنسي الاستهلالي ىسيطرت على مخيلة مرهقة ورسمت طريقا للتصور ،حلا للتناقض بين الروح و الجسد أو .. طرفي المعادلة، و كما قلت قبلا إن القصة القصيرة جدًا تناجي الدهشة عن طريق استثارة التأمل الفلسفي، تطمح الى تفجير الوعي و السعي للاكتشاف سواء عن طريق المغامرات الذهنية لأفكار تطرأ كلمحات صوفية نادرة، أو عن طريق النبش فى زوايا الحياة العادية المهملة أو المسكوت عنها , أو تلك التى نمر عليها سراعًا لا نأبه بها، وهذا كله يقتضي بالضرورة شكلا خاصًا يتعامل مع اللغة بمنطق شديد الخصوصية لاستخدام المعادلات اللونية الممكنة حيث نجد عوالم من الشعرية و السينمائية و التشكيل البصري و اللوني و الهندسة التركيبية و البصرية ( و الوجدانية أيضًا تلاعبًا بالإحداثيات و الدوائر ) تنداح بلا حدود كعالم بالغ التميز و الروعة والخصوصية .