للكاتبة ميادة مهنا سليمان

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

منذ العصور القديمة سواء عند العرب أو عند الأمم الأخرى، المرأة مضطهدة و محتقرة من طرف تلك الأمم، وتستغل أبشع استغلال، وتحرم من أبسط حقوقها من أجل حياة كريمة و سعيدة، و قد حدث هذا عند العرب في العصر الجاهلي حيث كانت تدفن الأنثى و هى حية في قماطها و ذلك قبل الرسالة المحمدية التي منحت المرأة الكثير من حقوقها المغتصبة، و جعلت منها انسانة راقية و صاحبة رأي و عقل و سمو،و تمكن من تغيير نظرة الرجل للمرأة و الارتقاء بها الى قمة انسانيها المفقودة، لكن مع مرور الزمن و الابتعاد عن عصر النبوة، جاء من الرجال الذين تسيطر عليهم النظرة الذكورية للمرأة، و ألبسوا تلك النظرة الهابطة للمرأة لباس الدين و زخرفوها بتأويلات باطلة،و تفسيرات حسب هواهم، و أخذوا من القرآن و السُنة ما يخدم نظراتهم تلك المستعلية على المرأة، و وظفوا بعض الأحكام الشرعية لخدمة سيطرتهم على الأنثى وتكبيلها و تسخيرها اشهواتهم المكبوتة و جعلها وسيلة للوصول الى متعهم المدفونة دون أى اعتبار لإنسانية الأنثى، المهم عندهم هو اشباع غرائهم المعطلة في أعماقهم من سنوات طوال، و كل هذا تحت غطاء الدين و باسم الشريعة.
و المشكل أن الذين أتوا بعد تلك النخبة من رجال الدين، بعد مرور الزمن جعلوا كلامهم و أقوالهم و اجتهاداتهم من صميم الدين و أركانه التي لا يجوز المساس بها،بل وهناك من قدّسها، و كل من تسوّل له نفسه المساس بها،يُكفّر و يتهم بالردة، مع أنها لا تعدو أن تكون الا اجتهادات بعض العقول من السلف القديم، و يدخل في حيز تراث المسلمين بما فيه من أخطاء و صواب و صالح و طالح و ليس الإسلامي بالمفهوم الإسلامي الصحيح.
لكن في زماننا هذا هناك من جعل من تراث المسلمين بجميله و قبيحة دينا موازينا للإسلام الصحيح، و اتخذته بعض الطوائف دينا رغم علمهم بالتلوث الذي يحمله هذا التراث في طياته، و تريد تطبيقه على الناس بحذافره في مجتمعنا المعاصر و قد مرت عليه عدة قرون،طبقوه دون حوار و لا نقاش دون اعمال العقل فيه لتميز الصالح منه و حذف الطالح.
انها المعضلة، و المشكل العويص الذي يهز كيان الأمة الاسلامية من الجذور بسبب هؤلاء الذين يريدوننا أن نعيش بفكر القرون الماضية في قرننا هذا دون الأخذ بعين الاعتبار التغيرات العميقة التي حدثت طوال هذه القرون،و فرضه بقوة السلاح لكل من لا يستجيب، و كان حصة الأنثى و المرأة المسلمة من هذا المشكل حصة الأسد من العذاب و التنكيل و الاغتصاب و القتل.
انتشر كالوباء ذلك الفكر التكفيري الى أن شمل معظم جسد الأمة،و الذي يستحل أموال و أعراض العباد،لهذا نرى ذلك الهجوم الشرس على المرأة بتكفيرها و استحلال جسدها لإطفاء شهواتهم المسجّرة، كل هذا تحت عباءة الدين.
و من خلال سياق هذه القصة،تم تكفير بطلة القصة، و أخذها كأَمَة الى ذلك الأمير الطاغي ليجعلها وليمة لشهوته الحيوانية الهائجة، و في الصباح بعد تلك الليلة الحمراء، وجدوا جسد تلك المرأة المغتصبة (أو ربما غير مغتصبة) وعلى وجهها ابسامة عريضة التي تحمل دلالة السعادة بعد أن رأت مكانها في الجنة و هي تحت التعذيب و هي تحتضر، و المفاجأة، كانت في الأخير و تتمثل في انتقام تلك البطلة من ذلك الوحش الكاسر الذي وجدوا رأٍسه مفصولا عن جسده قرب جثتها الهامدة، وهذا ما شكل لنا تلك المفارقة القوية التي جعلت نهاية القصة مدهشة ومفاجئة للقارئ لأنه لم ينتظرها ولم تمر بباله أنها ستتمكن من قتل ذلك الارهابي المتطرف.
السرد كان بسيطا و مقتصدا جدا،لا تكلّف فيه،تمكن من الوصول الى عمق الفكرة بسهولة و اثارت عاطفة القارئ و فكره و اقناعه بالفكرة والتعاطف مع بطلة القصة، وضرورة نبذ هذا الفكر الهمجي الذي عفّن الحياة و جعلها في كفن، و ذلك بحسن الصياغة الأدبية و اختيار الكلمات المناسبة، وتناسقها المُحكم ليصل الى المغزى الحقيقي من القصة التي كانت مكثفة تكثيفا جيدا دون أن يخل بالمعنى، مع ذلك يمكن حذف ( العصر الحديث) من متن القصة دون أن يتأثر المعنى، لأننا نعلم أن شهريار المقصود في هذه القصة هو شهريار معاصر و من زماننا هذا، زد على ذلك وجود قاسم مشترك بين شهريار ألف ليلة و ليلة و شهريار زماننا ( وما أكثرهم ) ألا و هو سفك دماء الاناث و ما يحمله من دلالات و اقعية.
كما جاء العنوان معبرأ جدا و يشع بمعنى خصال شهرزاد المعروفة في ألف ليلة و ليلة، التي تمكنت بسحر حكياتها المدهش و بيانها الخلاب من صرف السلطان شهريار عن سفك دم جارية كل صباح، و قد انتصرت في ذلك بتلين جمود فكر السلطان و تغيير نظرته، لكن في هذه القصة لم تتمكن شهرزاد من انقاذ الفتيات الأخريات رغم انتقامها لشرفها،مع ذلك فقد وجّهت بسلوكها هذا رسالة الى المرأة و الفتيات الأخريات بالقيام بنفس السلوك دفاعا عن شرفهن، من هؤلاء الكواسر أصحاب المخالب التكفيرية، خاصة بعد علم تلك الفتاة أو المرأة أنها مصيرها المحتم الموت المؤكد فلماذا لا تفطر به قبل أن يتعشى بها؟
في هذه القصة رسالة خفية تحمل في طياتها حكمة راقية للتحرر من الطغيان الغاشم، وهذا ما جعلها راقية ذات قيمة عالية، تُكتب بماء الذهب لا بالحبر الأسود.

أضف تعليقاً