النص للكاتب عبد المجيد أحمد الخولي

النص على مجلة لملمة من هنا

القراءة

لفتَ نظري نصُّ الاستاذ عبد المجيد أحمد الخولي، إلى التعليقِ بلا ترددٍ فيما طرحهُ عن شريحةٍ اجتماعية، أخذتْ مديّاتها العلميةَ و الفكرية و الادبية في المجتمعِ و عِبرَ العصورِ التاريخية، لِما تحملهُ من إثاراتٍ إنسانية، لا يمكننا ان نغفلَ عن رصدِها و متابعتها بكلِّ دقـةٍ و اخلاص.
النصُّ:- قصةٌ قصيرة جدًا بعنوان “ضرير”.

العنوان…
ضريرٌ- صيغةُ فَعِيلٌ- بمعنى الأعمى. و هو المَعني لنا، و يهمُّنا دون سِواه. و للفائدةِ اللغوية، ننظرُ إلى فروقاتٍ دقيقةٍ في استعمالات المفردات الآتية:-
الأعمى– تشملُ عمى البصر و البصيرة، و هي صفةٌ لكل من فَقَدَ بصرهُ.
الكفيفُ– مَن فقَدَ بصرهُ بعد النظر،
وهي:- أعمى البصر فقط.
الضريرُ:- هو مَن اِعتمى في حياته.
الأكمهُ– مَن وُلِدَ أعمى ابتداءً،{وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي} المائدة- ١١٠.
الأعمشُ– مريضُ العينين، ضعيفُ البصر، لم يفقدهُ بالكلية.
الأعشى– مَن لا يبصرُ ليلًا.

هل مِن حقِّ الضريرِ أن يحلمَ؟
الحلمُ ليس حكرًا على الأشخاص المبصرين فقط، فمَن فقدَ بصره بعد النظر – الكفيف- يحلمُ على وفق ما عاشهُ خلال مدة ابصاره، و بشكل محدود باشكالٍ و ألوانٍ معينة. أمّا -الأكمهُ- الذي وُلدَ أعمى لا يبصر، يرى صورًا في الحلم معتمدًا على حواسه الأخرى. و على الأغلب.. تعتمدُ الاحلامُ لدى الضرير، على الصوتِ، لأنهُ الطريقةُ الوحيدةُ التي يتعامل بها مع الآخرين. هذا في النومِ…

ماذا عن أحلامِ اليقظةِ لدى الضرير؟
“لويس برايل” مخترعُ (لغة برايل) فاقدُ البصرِ منذُ الثالثة من عمرهِ، كان يشعرُ بحاجةٍ ملحّةٍ على ايجاد طريقة جديدة للتعلم. بَقيَ هذا الحلم يراودهُ حتى السّنِ الخامسة عشر، عندما نُشِرَ أولُ كتابٍ في العالم بلغة “برايل” عام ١٨٢٩ م .
اذن.. أحلامُ اليقظةِ حقيقةٌ لها أصلٌ على مدى التأريخ الانساني، لا يَحدُّ منها العَمى في البصر، بينما في الجانب الآخر… العَمَهُ في البصيرةِ يقفُ حجرَ عثرةٍ لطموح الانسان، و يؤدّي به إلى الضياع.
{مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} الأعراف – ١٨٦.

لِنعُدَ إلى النصِّ “ضرير”…
الاستاذ المبدعُ عبد المجيد أحمد الخولي اعتمدَ على ‘فنِّ الحذف’ و
‘اقتصادِ الكلمات’ مع فعلِ الحركةِ ‘سارَتْ’، بعيدًا عن استعمال صفات أو ظروف، مع حضور واضح لبطل القصة و حامل الحدث، بإيحاءٍ دون تقريرية أو مباشرة.
كثَّفَ لنا معاناة من لا يُبصِرُ بــ (١٥) كلمة، إجتزأها من حياة ضرير فُرِضَتْ عليه لكنه لا زال يحلمُ على الرغم من فقدان أُسَّ الحواسِ و أهمُها -البصرُ-.
و ما يهمُّنا هو:-
ما يفكرُ به في يقظتهِ، اعتمادًا على سماعِ دقاتِ قلبه في أثناء غُدُوِّهِ وَ رَواحِهِ.
فالخطواتُ التي سارَتْ (إحداهُنَّ) بجواره، سواء كان تطوّعها لارشاده، رأفةً بحاله.. أو استأنسَتْ بصحبتهِ، تبدو أنها -هذه الخطوات- حقبةٌ من السنين، أعادتهُ إلى عزلتهِ المتآلف معها، رغمًا على أنفهِ، و مسافةٌ لا نهايةَ لها الّا بانهاءِ ظلامه الدامس.
هذه الصحبةُ.. لعبَتْ في ذهنه، كخيالٍ خُيِّلَ له في اليقظةِ، و دَغدغَتْ عواطفَ قلبه المؤجّلة لأسبابٍ، سُحِقَ تحت وطأتها، و لا يحسُّ بآلامها..
الّا هو!
ظَنَّ أو بالأحرى .. تَوهَّمَ خلافًا لِما عليه “رفيقتهُ” بانها.. بصيرةٌ! و يمكنهُ ان يُلازمَها في حِلِّه و تِرحالِهِ، أو هي..
تُلازمهُ ان وافقَتْ! حينها يَتمُّ نقصانَ دينٍ حملَهُ على عاتقهِ طويلًا، و يعيشُ بمنهجٍ حياتيٍّ مثل الآخرين.. معها.
ملاحظة:-
لا ادري لماذا اتذكرُ طرفةً مفادُها:-
امرأةٌ قالَتْ لزوجِها الأعمى:-
– آهٍ لو رأيتَ بياضي وحُسني.. لعَجبتَ!
و قال لها:-
– لو كُنتِ كما تقولين، ما تَرَكَكِ المبصرون لي!.

خلاصة الموضوعِ
من المنطقِ(ان التَّماثُلَ عِلَّةُ الانضمامِ)!
و هذا يفسرُ لنا قصةً يرويها أحدُ الحكماءِ يقولُ فيها:-
(أن غرابًا و لقلقًا يطيرانِ و يحطانِ معًا على الرّغم من اختلافهما في اللّون و الشكلِ، فأَثارهُ العجبُ من تلك الصداقةِ و عندما اقتربَ، رأى انهما أعرجان!)
فالطاقةُ الايجابيةُ تُقرِّبُ الناسَ إلى صاحبِها و تجعلُ منهُ نورًا تتزاحمُ عليه الفراشاتُ، بينما نرى آخرَ يمشي بين الناس تمثالًا من جَلْمودٍ، لا تأثيرَ له.. بينهم!
و قوةُ الجذبِ ينتجُ عنها قانونٌ للحُبِّ،
تُعضّدهُ عواملُ الخيرِ و الحقِّ و العملِ المثمر، في العقل السليم.
بَيْدَ أن لحظةَ الدّهشة، فرضتْ نهايةً مفاجئةً، بحيث اكتشاف التشابه أوقف أحلامَ الضّرير، و اِنكفأَ على نفسه، يندبُ حظَّهُ.
نَعم… انها نهايةٌ محزنةٌ، لو لاها.. كادَ يَنسى ما هو عليه، و لأبصرَ طريقهُ بعيونِ غيره، و نامَ قريرَ العين!
لكن التناقض بينهُ وبين”رفيقةِ دربه” حالَ دون ذلك، فالمفارقةُ صورتْ فكرةَ اختلافِ وَضعين متناقضين، أسهمتْ في تعزيز فِهمِ المُتلقّي… إيحائيًّا.

أضف تعليقاً