النص للكاتب أكثم صالح
نص القصة على مجلة لملمة من هنا
القراءة
استهل الكاتب عنّونة النص “عُرْف” نكرة غير فاضح بموضوعية وتوازن وانسجام مع ما يتضمنه متن القصة بواجهة مُثيرة للمتلقي وبإسلوب لغوي سليم وبتركيز وإيجاز دقيق بالإضافة إلى أنه يتمتع بمقبولية وتوافق مع الذوق الرفيع وانطلاقه للتأويل من العَتبة الأولى وعند الولوج إلى ما يخفيه النص يتبين أن تلك القصة موغلة في الرمزيّة بإسلوب فني بارع ومتمرس كما في ( اللؤلؤ، البيادر، الحقل، سنابل، مناجل، فزاعة، الريح، حمامة، غراب، الحصاد، زُؤَان ، الحقل ، حنطة) وان تلك المفردات كانت تستعمل في العصور القديمة كرموز لدلالاتٍ لغوية تشير إلى معانٍ عدة حيث أن الفزَّاعة اختراع قديم قدم الحضارة الانسانية الزراعية، ووجدت في الحضارة الزراعية السومرية والبابلية والاشورية والاكدية، ومن ثم الفراعنة وكل الحضارات الزراعية منذ القدم، فكانت رفيق الانسان الذي عاش في حضارة زراعية ومنها حضارة بلاد الرافدين، فتركت آثارها في الادب والفن على السواء كما في الزراعة. وللفزاعة صور واشكال عديدة، اهمها ان تكون على شكل صليب خشبي، احد اطرافه الذي يركز في الارض اطول من الاطراف الثلاثة الاخرى، وتوضع فوقه قطعة قماش، او ملابس قديمة، او شبكة صيد، لتمثل شخصا واقفا، او ينحتونها من الخشب بشكل رأس بشري، كما عند الاغريق والرومان مثلا، او يحرقونها وما عليها كما عند اليابانيين فتنفر الطيور من الرائحة الكريهة.
الفزَّاعة شكل بشر مشوَّه، أو هيكل أو تمثال. وفكرتها قائمة على أن كل تشوه يمكن أن يصبح مصدراً للخوف أو للسخرية .. فهو قابل للمعنيين معاً أو لأحدهما، على ما يرى بيرجسون. فالفزَّاعة، كخيال الصحراء، وكالقره كوز، تبعث الخوف في النفوس، لكنها قد تصبح أيضاً مصدراً للضحك في التشخيص والتمثيل (كحال الأجدب مثلاً)…
حتى يُفاجأننا الكاتب بقفلة مُدهشة لها أبعادها الأسطورية وتأثيرها المثيولوجي على المعايير الفنية والدلالية للقصة ” زٌؤَانُ الحَقل أولى بحِنطتِهِ!.”
في مستهل إنجيل متى ص 13 تلتقط عدسة الوحي المقدس صورة للرب يسوع وهو جالس عند البحر يعلم الجموع فمكتوب ” في ذلكَ اليومِ خرجَ يَسوعُ مِنَ البَيتِ وجَلَسَ عِندَ البحرِ، فاجتَمَعَ إليهِ جُموعٌ كثيرَةٌ، حتَّى إنَّهُ دَخَلَ السَّفينَةَ وجَلَسَ. والجَمعُ كُلُّهُ وقَفَ علَى الشّاطِئ”(مت13: 1، 2). وكعادته كان يعلم بأمثال، فقدم لهم مثل الحنطة والزوان قائلاً:”يُشبِهُ ملكوتُ السماواتِ إنسانًا زَرَعَ زَرعًا جَيِّدًا في حَقلِهِ. وفيما الناسُ نيامٌ جاءَ عَدوُّهُ وزَرَعَ زَوانًا في وسطِ الحِنطَةِ ومَضَى. فلَمّا طَلَعَ النَّباتُ وصَنَعَ ثَمَرًا، حينَئذٍ ظَهَرَ الزَّوانُ أيضًا. فجاءَ عَبيدُ رَبِّ البَيتِ وقالوا لهُ:يا سيِّدُ، أليس زَرعًا جَيِّدًا زَرَعتَ في حَقلِكَ؟ فمِنْ أين لهُ زَوانٌ؟. فقالَ لهُمْ: إنسانٌ عَدوٌّ فعَلَ هذا. فقالَ لهُ العَبيدُ: أتُريدُ أنْ نَذهَبَ ونَجمَعَهُ؟ فقالَ: لا! لِئلا تقلَعوا الحِنطَةَ مع الزَّوانِ وأنتُمْ تجمَعونَهُ. دَعوهُما يَنميانِ كِلاهُما مَعًا إلَى الحَصادِ، وفي وقتِ الحَصادِ أقولُ للحَصّادينَ: اجمَعوا أوَّلاً الزَّوانَ واحزِموهُ حُزَمًا ليُحرَقَ، وأمّا الحِنطَةَ فاجمَعوها إلَى مَخزَني”… إن نهاية الزوان نهاية مأساوية وكارثية كما يقول داود في (مز37)” لا تغَرْ مِنَ الأشرارِ، ولا تحسِدْ عُمّالَ الإثمِ، فإنَّهُمْ مِثلَ الحَشيشِ سريعًا يُقطَعونَ، ومِثلَ العُشبِ الأخضَرِ يَذبُلونَ…. لأنَّ عامِلي الشَّرِّ يُقطَعونَ، والذينَ يَنتَظِرونَ الرَّبَّ هُم يَرِثونَ الأرضَ… قد رأيتُ الشِّرِّيرَ عاتيًا، وارِفًا مِثلَ شَجَرَةٍ شارِقَةٍ ناضِرَةٍ. عَبَرَ فإذا هو ليس بمَوْجودٍ، والتَمَستُهُ فلم يوجَدْ”(مز37: 1، 2، 9، 35، 36)
وكما يقول آساف في (مز73: 17- 19) ” حتَّى دَخَلتُ مَقادِسَ اللهِ، وانتَبَهتُ إلَى آخِرَتِهِمْ. حَقًّا في مَزالِقَ جَعَلتَهُمْ. أسقَطتَهُمْ إلَى البَوارِ. كيفَ صاروا للخَرابِ بَغتَةً! اضمَحَلّوا، فَنوا مِنَ الدَّواهي”.
وكما قال يوحنا المعمدان عندما رأى كثيرين من الفَرِّيسيِّينَ والصَّدّوقيِّينَ يأتون إلى معموديته قال لهم:”ياأولادَ الأفاعي، مَنْ أراكُمْ أنْ تهرُبوا مِنَ الغَضَبِ الآتي؟ فاصنَعوا أثمارًا تليقُ بالتَّوْبَةِ…فكُلُّ شَجَرَةٍ لا تصنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقطَعُ وتُلقَى في النّارِ”(مت3: 7، 8، 10).
وبذلك ينقل لنا الكاتب من خلال نصه الّذي يتمتع بالإجاز وضغط الكلمات والإبتعاد عن الإسهاب والإطالة درامة متسلسلة رائعة عن مفهوم الشر والخير وربط ذلك المثل بالنفس البشرية .