القصة للكاتب بسام الأشرم
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
نص آخر ب” نكهة بسام”.
العنوان/ العتبة إطار مكاني.
الرّصيف مكان مرتفع على الطريق للمشاة.
نحويا يحتلّ محل الخبر لكونه” شبه جملة”، فيما جاء المبتدأ محذوفا مقدّرا. و لهذا استتباعات معنوية تفتح مجال التخمين على مصراعيه لملء محل المبتدأ. فمن يكون على الرّصيف يا تُرى؟؟ و ما الغاية من وجوده هناك؟! أسئلة كثيرة يثيرها العنوان.
“يتكئ عليها… “. المتأمل في هذه الجملة يمكن أن يخرج بما يلي:
الاتكاء حدث حسّيّ دالّ على معنى الاعتماد. من يعتمد على من؟!
الظاهر من استعمال الضمائر أن “هو”( مذكر) يعتمد على “هي”( مؤنث). و لهذا استتباع معنوي يشير إلى عدم قدرت(ه) على الاعتماد على نفسه على خلاف(ها) “هي” التي تبدو سندا و دعامة له لا ليقف فقط و إنما ليسير و يمشي…
و هذا يتأكد في الجملة الموالية” تتكئ على بعضها”. إذن لا ريب في أن الشخصية ( المؤنث) هي التي عليها العماد. أ فيكون ذلك في المشي على الطّوار وحده أم أنه يتعدى ذلك إلى باقي مجالات الحياة بما فيها من مشاغل و حاجات يومية، حاجات تزيد ثقلا و وطأة كلّما تقدّمت السنّ بهما.
قطعا ليس الاتكاء مجرد حدث حسي و مساندة مادّيّة بقدر ما هي أيضا مساندة عاطفيّة وجدانيّة..
ما يمكن أن نذهب إليه أن الشخصيتين لزوجين و قد بلغا من العمر أرذله، فهما “يجرّان” الخطى جرّا.
الصورة و هي تتنامى تُؤسّس لمشهد مفارق لافت، هو في الواقع من صميم الحياة اليومية: مشهد “طفل مع شاب”. هنا المقابلة تبدو واضحة بين من هو في ريعان القوة، من هو في بداية الطريق… من جهة و بين من هو في مرحلة العجز و الضعف، و من هو في نهاية الطريق من جهة ثانية. و اللّافت في هذه الصورة تطابقهما في ناحية على الأقل و هو الإسناد و الاتكاء. “رجل يتكئ على امرأة/ شاب يسند طفلا”. فكلا من الطرفين في حاجة إلى إسناد و مرافقة. و لعلّ المفارقة تكمن في طبيعة الحياة هذه بصفة عامة: ففي الحياة من يضع الخطوات الأولى و يتحسّس طريقه، و فيها من يضع اللّمسات الأخيرة للمغادرة، و كلاهها في حاجة أكيدة إلى سند قوي لإتمام المهمّة إن مكرها مجبرا أو بمحض الاختيار.
و تستمرّ المفارقة و المقابلة متجلية أيضا في الفعل. انظروا استعمال المفردتين التاليتين: يجرّان/ يمرّ، فالفرق بيّن واضح بين دلالة كلا الفعلين: ففي الأول إجهاد و مشقة، أما الثاني ففيه سلاسة و يسر…
مفارقة أخرى أراها ولكن ضمنية متجلّية في الفضاء الذي تتحرك فيه الشخصيات و دلالاتها:
العجوزان: على الطّوار، بحانب الطريق/ بجانب الحياة، إن صح هذا التعبير.
الشّاب و الطفل: منطقيّا على الطريق، في خضم الحياة، في معتركها.
القفلة:
الخاتمة جاءت أيضا مشبعة بالإيحاءات المفتوحة على كثير من الدّلالات. جاءت في شكل نصيحة من الأب لابنه “أسرع الخطى، و انظر أمامك”. هي نصيحة متكررة تعاد على مسامع الابن في ظرف زماني محدد: الوجود بمحاذاة العجوزين. و قد استعمل القاصّ لذلك “كلّما”، فكان حدث المرور قادحا للنّصيحة في كل مرّة من باب التّذكير لما لها من أهمّيّة.
الإسراع.
النظر إلى الأمام.
تلك كانت النّقاط التي يؤكّد عليها الأب، و من هاتين النّقطتين يمكن تخيّل الدّلالات و الغايات التي يرمي إليها الأب، لا سيما إذا عرفنا حالة الابن و هو يمرّ و يسير” طفل حقيبته على ظهره”. فما يمكن أن توحي به هذه الصورة؟؟( الحقيبة خاصّة).
لعل قطار الحياة المثقل يطوي الأرض طيّا، و جب التزود له و الإسراع للّحاق به و البقاء في عرباته كي لا يمرّ بحِمله فنعود “بخفَّيْ حنين”.
خاتمة مفتوحة تدعو إلى التّفكّر و التّأمّل أكثر ممّا تجيب عن هواجس و أسئلة مقلقة… و تلك بعض من خصائص النصّ القصير جدّا.
ثمّ… نأتي إلى الأمر المقلق( المحيّر) و المربك في هذا النص من الناحية البنيوية التي تؤسس للحدود و الماهية المميّزة للجنس.
ما ترسّب من مقولات نقدية يصبّ في خانة التّأكيد على الشّخصيّة الرّئيسيّة الواحدة في وحدة زمكانيّة حدثيّة تحقيقا لوحدة الموقف ككل. غير أن اللّافت في هذا النصّ:
* صعوبة تحديد الشّخصيّة الرّئيسيّة حسب معيار الفاعليّة الحدثيّة: فهل هي العجوزان أم الشّابّ أم الطّفل أم الأب هذا من ناحية.
* تعدّد الشّخصيّات و تفرّعها إلى خمس نراها على قدر الأهميّة في تنامي الحبكة القصصيّة، من ناحيّة أخرى.
فهل هذا يربك مفهوم الوحدة؟؟ و بالتّالي: هل يمكن الاستعاضة عن مفهوم” الشخصية الواحدة” بما هو أهم و أكثر عمقا؟؟
الطّريف في هذا النصّ أن لا شيء مخلّ في هذا البناء طالما تحقق الهدف الأسمى فيه. فهو كالبنيان المرصوص، كل لبنة تؤدّي وظيفة تحقيقا لوحدة الموقف و الفكرة، و هي الأساس.
و لكل ما تقدّم يمكن أن نقول باطمئنان كبير بأن هذا النّصيص لا جرم هو من النصوص المؤسّسة لفن القصّ القصير جدا.
تحية للقاص الرائد بسام الأشرم.