بعد يوم قائظ أحرقتْ فيه الهاجرة الأبدان وركبت الجنادب العيدان، بعدما سُقتُ بقرتي الحمراء إلى مراتع الكلإ والغدران، هائما وحالما بمستقبل زاهر سعيد ، عازفا بشبابتي أحلى نشيد، ولجتُ عتبة الدّار كعادة الصّغار والعرق يتصبّب من جبيني الغضّ وقد خانني في تلك الليلة الكرى والغمض.
تذكرتُ أنّ الموسم الدراسي 1979/1978 قد لاحت تباشيره ، وفاحت عطوره وأزاهيره، فطلبتُ من والدتي الرؤوم إعطائي قميصا يسعدني في حضرة القوم، لألتقط به صورا شمسية أضعها في ملفي المدرسي ، والدراسة على الأبواب وتكاليفها تنهش وتعضّ بالظفر والنّاب.
أطرقت أمّي الحبيبة إطراق الكسيرالفقير الذي لايملك القطمير، وخاطبتني بكلمات ليست كالكلمات ، لاتزال محفورة في القلب والخلجات: ” ماعندكش الترْكوات ياوليدي ، روح اتْصور بهذا لي راك تسرح فيه وخلاص .. مافيها والو”!
تفهمتُ الوضع في الحال ولم أكثر الإلحاح والسؤال، وقصدتُ محلّ التّصوير مهيض الجناح كسير، أشعث الشَّـعر، أشعرُ بالحسرة والقهر، حتى أنّي نسيتُ أن أصبّ الماء على وجهي من صلاة الفجر.
وقبل أن ألج باب محلّ التصوير كنتُ أغدو وأروح مثل طائر يمشي من الألم وهو مذبوح ، فكانت هذه الصورة المتعبة الهزيلة ، تحكي لكم مأساتي الجميلة، يا أصحاب النّفوس النّبيلة.
- ومضة حنين وأنين
- التعليقات