للكاتب صالح هشام
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
تحيز صديقى صالح الى واقعية الحدث , وتوخى الصدق الكامل فى نقل الأحداث كمراقب بعينى الصبى الذى عاصر الحدث . والقصة بمجملها تحكى زيارة عابرة لشخصية غريبة , تحمل كيسا ضخما على ظهرها . أثار ظهورها الغريب المفاجىء هزة فى المجتمع الرتيب الساكن أعدها أنا كقارىء بؤرة النص . فالقرية الهادئة فوجئت ذات ليلة بما يحرك الهدوء والسكون , ويثير الذ كريات , ويحرك المخاوف والأوهام , ويستدعى الحكايات الهاجعة فى أذهان الأهالى . وكما بدأ الحدث بشكل مباغت , انتهى بذات الشكل , فبعدما استيقظت الحكايات وتبادل الناس الذكريات , وأدلى كل بدلوه , انسحبت الزائرة الغريبة بلا عودة إلا من ذكرى تستيقظ فى كل ظهور لطائر اللقلاق أعلى مئذنة الجامع . والحدث البسيط ليس الا محرك لطاقة السرد التى تعتمد على الموروث الشعبى الشفاهى الكامن فى وجدان الناس البسطاء .. فميلودة بنت ادريس هى شخصية واقعية أعتقد أنها تحتل فى الموروث الشعبى المغربى مكانة تشبه مكانة ريا وسكينة فى التراث المصرى , فحيث أوقع الطمع والجشع الأخيرتين وحولهما الى سفاحتين يضرب بهما المثل فى القسوة والجدشع . دفع العشق الحرام ميلودة الى خيانة زوجها والتفريط فى سلامة ابنها فسلمته بغفلتها فريسة للضوارى , وصديقى صالح , يستغل حادثة واقعية أخرى هى ظهور المرأة ذات الكيس الضخم , ليستدعى الحادثة التراثية , ويستعرض انطباعات الناس التى تشى فى مجملها بالثقافة الشعبية السائدة . وقدرة صديقى على الوصف , وإبراز التفاصيل , هى من العوامل التى تشد القارىء وتحفزه على الاندماج مع النص , غلا أنى آخذ على النص وقوعه المتكرر فى المباشرة , وميله الى الاستزادة من التفاصيل الشارحة التى هى مفهومة من السياق . وميله الى التشبيهات التى لا تضيف الى السياق ولا تخدمه . كقوله فى وصف أدمغة النساء ( ثقيلة كسحب محملة بأمطار رعدية ) .كذلك التشبيه ( كمن عثر على كنز ثمين ) فى وصف الحالة التى انتابت الأب لحظة وقوع بصره على غليمة , وهى حالة يستقبلها القارىء من السياق أبعد ماتكون عن حالة رجل عثر على كنز .. ولى تحفظ أيضا على الاحالة الى مرجعية لا يتوفر فيها الوضوح أو الشيوع الكافى . كإشارته الى غلاف رواية الطاعون لألبير كامى فى وصف كيفية انسحاب المرأة واختفائها . فأبسط مايقال بخلاف ندرة شيوع المشار اليه هو أن للرواية عدة أغلفة مختلفة فى طبعاتها المتعددة , ولقد حصرت بنفسة ستة أغلفة مختلفة . أما المواضع التى ورد فيها التقرير فأمثلة لها الجمل . .. ( كنت أكثر ارتباطا به ) فى وصف علاقة الراوى بأبيه , ( أحست بعدم الاطمئنان ) فى وصف رد فعل الزائرة على تفحص الناس لها , ( كانت زائرة خفيفة الظل ) وهى جملة على تقريريتها مناقضة للسياق , فحاملة الكيس بما أحدثته من صدمة فى المجتمع الراكد , لم تكن أبدا زائرة خفيفة الظل . ربما أراد صديقى أن يعبر عن عبورها السريع , واختفائها المبكر , لكن التعبير لا يناسب الواقع .. كذلك الجملة (سئلة و تساؤلات حائرة تعبر تلافيف أدمغة النساء ثقيلة كسحب محملة بأمطار رعدية ،وهن يتموجن في دوامة الحيرة ، والاندهاش ) , فهى جملة تقريرية مباشرة , وهى أيضا زائدة , فلو حذفت لاستقام السياق , ولانضبط المعنى . أما أمثلة الجمل الزائدة فهى جملة (يسند جسده المنهك إلى حائط مكتب بيع التذاكر ثم يتهاوى على مؤخرته .) فى وصف بلطجى الحافلات , فالتركيز على وصفه فى غير محله اذ لا يعد شخصية ذات قيمة فى النص , الا فيما أضفاه نداؤه على خلفية المشهد الاستهلالى البارع , كذلك جملة ( يمتص غضبهم مدعيا أنه طلب الاصلاح ) . فهى عبارة خارج السياق , اذ تجذب انتباه القارىء الى موضوع فرعى يختلف عن الموضوع الذى يمهد الكاتب ببراعه للدخول اليه , وليس من صالح الكاتب أن يشتت انتباه القارىء خارج بؤرة الاهتمام التى يسوقه اليها . كذلك جملة ( لم نعرف فحواها ) اشارة الى الكيس الضخم . فهى أمر معلوم بالضرورة ومن السياق .
أما انتعال الأب لحذائه الأعسر فلم أفهم المقصود من الحذاء الأعسر , كما أرى فى عبارة ( يتسلل دون ن يثير انتباه النيام ) تناقضا مع الجلبة التى صور بها النص اجراءات الوضوء للأب الذى ينثر المياه ويتمخط , وهى صورة لا تعكس حرصا على تجنب الجلبة بشكل عام .
استمتعت بالنص . وأحيى صديقى صالح هشام , وأشد على يده لهذا النص الممتع . وربما كانت اشارة صديقى البنا الى تشابه ابداعات صالح ومهدية فى محلها من زاوية قدرة المبدعان على تصوير البيئة المحلية , واستخدام الموروث الشعبى الشفاهى فى الحكايات والطقوس لإنتاج نصوص حيه تموج بالحركة , وتشد القارىء من السطر الأول الى السطر الأخير.