للكاتبة فتيحة قصاب
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
تسجل القصة القصيرة والقصيرة جدا الحديثتين حضوراً لافتاً في ذهنية متلقي عصر الحياة الرقمية والانترنيت من خلال تسجيل الانطباع اللحظي والايماءة والخاطفة بما يتواكب وسرعة هذا العصر الجنونية!
ذلك مالم تتمكن منه القصة الطويلة او الرواية التي تواجه مشكلة الطول وصعوبة النشر الالكتروني خاصة مع وسائل التواصل الاجتماعي التي لايستوعب المنشو الواحد فيها بما يسع رواية.. كما ان الانسان العصري اعتاد ان يستوعب في عقله زبدة كل شيء من علم وادب.
النص الذي بين ايدينا للمبدعة فتيحة قصاب الموسوم -كبت- خير مثال للذكاء الذي يقنص اللحظة ويدون ملحمة في بضعة اسطر وعلى غرار مايريده المتلقي الرقمي ان صح التعبير.
عنوان النص كبت ، والكبت في اللغة الاضمار والاحتفاظ بالحزن او الغضب يفرضه الصبر او الضرورة.. لذا جاءت العنونة بمنتهى الحرفية فكانت مفتاحا لفهم ومعرفة اهداف النص العميقة وماهو مسكوت عنه.. الكبت هو رد فعل لنقص او فقدان الحرية في التعبير عن الرأي.. من اروع مايمكن ان نستقيه من ثيمة هذه القصة ان البطلة ليست انسانا ، بل هي الحرية التي تمنحها الانظمة الشمولية ، وهي حرية ابنة سفاح! ومن ام مغتصبة!!!!
الام هي الوطن الذي استبيحت حرمته وجرت اهانته باغتصاب حريته..
الصرخة هنا الثورة ومحاولة قلب الامور وتصحيح المسار او تغييره.. الثورة التي كتمت انفاسها القابلة وهي هنا بمثابة الحاكم الظالم.. فيما جاءت كلمة شاش زائدة تماما ولم تضف شيئا.. فالتكميم واحد سواء بشاش ام بغيره.
هذا هو التأويل الباطن ، اما بخصوص ظاهر النص.. فالمولود ابن سفاح وقع عليه جور كل العالم حتى عندما اراد ان يطلق صرخته الاولى.. كتمتها القابلة كي لايفتضح امر الام…. وهكذا.
النص خير معبر عن ثيمة الحرمان او الطفولة المغدورة بفعل ممارسات الانسان غير المسؤولة.
نلاحظ في المتن تكرار عد الصرخات وهو ماسبب بعض الاطالة للنص ، بالرغم من ان هذا التكرار كان ضرورياً حيث لابديل له لتوكيد الحدث وخلق ديناميكية وحبكة مثيرة لاهتمام الآخر.
ماجذب انتباهنا وبشدة الخاتمة وبالذات عند قولها – وئدت صرختي الجوهرية..! –
فبالعودة الى الصرخة الثالثة نجد ان البطلة كان في نيتها اطلاقها بالنيابة عن كل اشباهها ومن مروا بنفس الظرف ، وتعرضت امهاتهم لجريمة الاغتصاب! ، اذ نقف مذهولون امام حبها للآخر ونصرته برغم كونها وبالتأكيد عاشت ظروفا خاصة جعلتها منزوية لفداحة ماحصل لأمها.. وكذلك مدى العفة والشرف التي تتمتع بها والدتها بالرغم من تعرضها لهكذا جريمة.. والربط لازال قائما فالاوطان الاصيلة لاتخرج لمجتمعاتها الا ابناء اصلاء اوفياء مها تعرضوا لظروف عصيبة ومهما تكالب عليهم الاعداء.
القابلة التي هي هنا بمثابة زارع الشر والراعي الاول في دمار الشعوب يبدو انها هي فقط من ستتلقى ردة الفعل العنيفة من مولود جديد كبت في نفسة واضمر لها كرها شديدا.
اعتقد اننا أمام نص مذهل يحمل صورة سياسية وأخرى اجتماعية ، ويحمل رسالة انسانية واضحة الاهداف وهو ماجعل للنص قيمة فنية كبيرة بتأجيج الثيمة ورفع مستوى الحبكة فجاءت متسيدة تماما على اللغة ، حيث ركنت الأخيرة الى البساطة والسلاسة مفتقدة لصفة مهمة من صفات النصوص الحداثوية وهو الانزياح اللغوي بمعنى استقرار الالفاظ والمعاني بمكانها دون ايحاء او رمز.. انما جاء الانزيتح بالمعنى العام للتأويل وللثيمة حصرا ، مما خلق جوا من الاثارة لا الدهشة التي جعلت القصة أثيرة الى قلوب المتلقين ومدعاة لدر الدموع على الوجنات.
اتمنى للقاصة المبدعة فتيحة قصاب دوام الابداع والتألق ولرابطتكم نجاحا باهراً خدمة للثقافة والأدب.