القصة للكاتب باسم عطوان
نص القصة على مجلة لملمة من هنا
القراءة
العنوان
“كرم حاتميّ” مركب نعتيّ، نكرة موصوفة. النّعت “حاتميّ”، جاء اشتقاقيّا نسبة، أسم منسوب إلى حاتم.
و “حاتم الطائي شاعر عربي جاهلي وأمير قبيلة طيء(توفي 46 ق. هـ / 605 م) اشتهر بكرمه واشعاره وجوده ويقال انه أكرم العرب”( ويكيبيديا)
و يُقال بأن كرمه بلغ إلى حد أنّه ذبح فرسه إطعاما للجائعين من الضّيوف و أهله.
إذن”حاتمي”، هذا النّعت و من هذه القراءة السريعة، يبدو مقيّدا للمنعوت(كرم)، مضيّقا للمعنى. و بذلك يبدو، و للوهلة الأولى، كاشفا فاضحا لمحتوى النّصّ. و قد يقول البعض بأنّ ذلك ممّا يضعف ألق العنوان في القصّ القصير جدّا. فهل كان كذلك فعلا في هذا النّصيص الذي أمامنا؟! و هل يقع القارئ في بعض الأحيان في “شرك” القاصّ؟
المتن
جاء الخبر في هذا النّصّ كمّيا مضغوطا بشكل كبير جدّا، بحيث لم تتعدّ جمله ثلاث جمل. جملتان فعليّتان، و واحدة اسميّة مسبوقة بناسخ(ظلّ) ولكنّها تتضمّن مركبا فعليّا ( يجوب…). تشترك أفعالها في الدّلالة على الأحداث الحركيّة الحسّيّة (نحر/ أهداهم / يجوب). و بذلك تتحقّق المشهديّة في هذا النّصّ. و هو ركن أساسي يراه الكثير من المهتمين بهذا الجنس.
غير أن الفارق بينها يكمن في ما يلي:
* نحر / أهداهم:
فعلان في صيغة الماضي الدّال على انقضاء الحدث في الزّمان الماضي. من دلالتهما الكرم و الجود و حسن الضّيافة…
أمّا النّحر فهو المُنتَهى في تحقيق الكرم. و
و أمّا “أهداهم…” فهو المنتهى في تحقيق الأمن و الأمان لطالبه.
و ما يلفت الانتباه تحديد نوع السّيف أداة الدّفاع عن النّفس، و هو ” اليماني”.
و تجدر الملاحظة إلى أنّه “يقع السيف اليماني في صدارة السيوف العربية شهرة وجودة، وهو يندغم بسيرة الفرسان، ويعد “الصمصامة” سيف عمرو بن معديكرب الزبيدي نموذجاً بارزاً في تاريخ الفروسية وثقافتها”( يمن برس/ موقع الكتروني)
بالمحصّلة فإنّ الشّخصيّة(هو) قدّم لضيوفه(هم) أجود ما يملك من طعام و سلاح. و هنا يكون صدى العنوان بارزا (ظاهريّا على الأقل).
* يجوب…: فعل في صيغة المضارع الدّالة على عدم انقضاء الحدث، فهو بصدد الوقوع. فإذا أضفنا إليه النّاسخ “ظلّ” بات من الواضح أنّ الحدث ككلّ مستمرّ في الانقضاء و الوقوع، متواصل في الزّمان و المكان.
المكان: الصّحراء، بيئة العرب القديمة. عنوان للشدّة و القسوة و الضياع.
تبدو اللّغة و مفراداتها منسجمة مع الحقل الدّلالي عموما. فقد تنزّلت في بيئة عربيّة قديمة تعود إلى العهد الجاهلي( نحر/ فرس/ سيف/ صحراء)
الخاتمة.
و هنا”مربط الفرس” كما يقال.
إنّ المتأمّل في طبيعة الحدث و دلالته و رمزية بعض المفردات يقف على الانزياح الكبير في المعنى و المقصد الذي سارت إليه الأحداث.
(وفي الصباح ظل يجوب الصحراء بحثا عن ورقة توت)
الشّخصيّة التي أغدقت على “الطّارق” ليلا تاهت صباحا في الصّحراء و هي تبحث عن “ورقة توت”. و معلوم أنّ “ورقة التوت” إنّما هي رمز لستر العورة. و بسقوطها تنكشف الهنات و العورات.
إذن ما فعله (هو) لم يكن أبدا كرما، ناهيك أن يكون حاتميّا. هو “كرم” و إسراف في المذّلة و الخنوع و التّنازل… و هو من هذا المنطلق يفرّط في كلّ المقومات من النّاحية البيولوجيّة (المأكل)، و النّاحية الأمنيّة ( وسائل الدّفاع).
اللّيل رمز الكرم و العطاء و الجود، إذ كثيرا ما يأتي الطّارق ليلا، أضحى رمزا للعار و المذلّة و الخنوع و التّنازل…. و قد قام الصّباح بدور الفاضح للمستور و العورة.
المباغتة في هذا النّصّ و القفلة خاصّة تكمن في:
* كسر أفق القارئ و توقعه. فما الكرم إلا تآمر على الذّات من الذّات دُبّر بِلَيلٍ.
* ما قامت به الشّخصيّة من تلقاء نفسها من كشف لعورتها، ثمّ بعد ذلك من بحث عمّا يسترها إنّما هو سلوك عبثيّ… فالشّخصيّة تقوم بالفعل و نقيضه، و هذا من باب اللّوثات الفكريّة عموما.
النّص،ّ بالنّهاية، و لئن كانت الشّخصيّة الرّئيسيّة فيه بصيغة المفرد لغة، فهي جمع مضمونا و دلالة. و هو يعالج، بحسب رأيي، معضلة العرب في هذا العصر. فالعرب الذين كانوا عنوان الجود و الكرم أيّام السّلم، و البأس و الشكيمة و النّصرة أيّام الحرب و الإغارة باتوا عنوان ذلّ و خنوع و استسلام…. يفرّطون في أسباب القوّة، ثمّ يتيهون بين المكاتب الأجنبيّة و السّفارات و القنصليّات… يبحثون عمّا يسترهم في فعل عبثيّ لا جدوى منه، و لا يبدو له نهاية قريبة… هو فعل متواصل مستمرّ، كما يخبر بذلك هذا النّصيص. و لذلك ربّما صحّ فيهم قول الباري:” يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ، فَلَا تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ( من سورة المائدة الآية 26)
و عودًا على بدء يبدو العنوان من قبيل “الذّمّ بما يشبه المدح”، موغلا في التّهكّم و السّخرية إلى حدّ الفجيعة… لا فاضحا كاشفا. و عسى هذه السّخرية أن تكون دافعا للعرب، حافزا لمعرفة مكمن الدّاء الذي ينخر جسد الأمّة. فهو منّا و فينا، لا من غيرنا. و هذا يقتضي معالجة تبدأ من الذّات أوّلا و أخيرا.
—–ا—–