النص للكاتب أسامة حواتمة
رابط النص على مجلة لملمة من هنا
القراءة
إنّ ما يجري الآن من إحداثيات سياسية ومهاترات أممية لهو مدعاة للتفكير والتقليب في البنود والاتفاقيات التي تجري على السّاحة الدبلوماسيّة، ولو قرأنا بتمعن بعض الكتب السياسية لمفكرين وباحثين كبار واستوعبنا بعض الفقرات الهامة في تلك الكتب نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
(بروتوكولات حكماء صهيون) للكاتب: ماثيو جولوفنسكي.
(حكومة العالم الخفية) للكاتب: منصور عبد الحكيم.
(لعبة الأمم) للكاتب: مايلز كوبلاند.
لذهلنا من الواقع الذي نعيشه، ومن هذا الربط المتين في الشريط السياسي المرسوم أصلاً من قبل هيئة الأمم المتحدة لمقررات تصنفها الدول العظمى للدول الأخرى، وذلك بناءً على مصالح سياسية واقتصادية لتلك الدول ولو كانت على حساب مقدرات وطاقات الدول الناشئة.
-العنوان:
كواليس: جمع كوليس أو كالوس، وهي أماكن على المسرح لا يراها المشاهدون، أي قبل ظهور الممثلون على خشبة المسرح، ويقال عمل وراء الكواليس أي عمل في الخفاء، هذا في مضمار الفن، وفي مضمار السياسة: هي قاعات مجاورة لصالات الاجتماعات أو المؤتمرات يتفقون فيها على حلول قبل عرضها على المؤتمر.
العنوان خفي كلفظه، يحمل الكثير من التأويلات والتصورات المكشوفة والمبهمة في آن واحد، وهو عنوان مناسب غير كاشف ورمز دلالة لفاتحة الققج.
-التحليل الفني والأدبي:
ابتدأ القاص نصّه بجملة خيالية ذات أبعاد عميقة تحمل الكثير من الفرضيات الواقعية واللاواقعية…الواقعية من حيث إمكانية وصول الإنسان لسطح القمر ضمن جولاته العلمية وطموحه اللامحدود في اكتشاف الحقائق، وهذا أمر واقع قد تمّ حصد نتائجه بما يصبّ من نفعٍ للبشرية جمعاء من هذا الحدث العظيم. ولكن الفرضية غير الواقعية والتي صوّغها القاص في نصّه باستخدامه لجملٍ تبدأ بالفعل الماضي كالحدث التاريخي (الوصول للقمر) الذي حدث منذ سنوات، ونقطة الالتقاء هذه أدّت إلى دمج الفرضيات والتي مكنت القاص من متابعة سرده للنص باستراتيجية فلسفية أسلوبية متشعبة التأويلات، تحمل في خباياها نظريات متضاربة بين الحقيقة والوهم.
(هبطوا على سطح القمر) من هم؟ إنهم المتعطشون للعلم والحقيقة، فالعلم اكتشاف والحقيقة انبلاج وما بينهما بصيص نور يظهر كالبرق…إذاً فقد هبطوا والهبوط هو السقوط من الأعلى إلى الأسفل أي من الحقيقة المزعومة والثابتة إلى العالم المجهول، فما خارج القبر نعلمه وأما داخل القبر (البرزخ) مجهول لا نعلم عنه شيئاً، وهكذا فقد هبطوا على أرض مجهولة بغض النظر إذا كان هذا الهبوط اضطراريّاً أم إجباريّاً فالهبوط حاصل لا محالة، فإن كان اضطراريّاً فذلك لأجل البحث عن الحقيقة، وإن كان إجباريّاً فهو المنفى وعدم العودة ولتذهب الحقيقة إلى أبعد من ذلك المكان والزمان.
وقد أحسن القاص في تشبيهه لسطح القمر بالأرض الجرداء (المنفى) فهو المكان الأنسب لزجّ العقول النيّرة وإبعادها عن سلسلة الاكتشافات لتبقى تلك العقول في سجنها الحقيقي والذنب هو قدرتها على كشف المستور فيما بعد.
(تحلّقت حولهم الكاميرات) لم يكتفِ عملاء الخفاء من إبعاد تلك الأنماط البشرية الواعية عن أرض الواقع، بل أخضعوهم للمراقبة العلنيّة والسّريّة في آن واحد خوفاً من تعاقب سلسلة الاكتشافات والوصول إلى بؤرة الحقيقة الغامضة، لذا فهم محاطون بكل العيون (أدوات الجاسوسية) ليبقوا ضمن دائرتهم هم وبالتالي إماهة الحقائق وإضاعة الفرص من فكّ (شيفرتها) فقيد الأدمغة أشد فتكاً من قيد السجين وأكثر ألماً، ولكن إلى متى ستبقى الحقيقة ضائعة؟
(لمّا نظروا في السماء) استعان القاص بنظرية التبصّر عن طريق النّظر في فضاء السماء، والتبصر ليس فقط بالعيون إنما بالعقل الناضج المبحر في قلب الحقيقة الغامضة وربط الأحداث ببعضها واستنتاج الحقائق وكلّما انتهوا من خطوة سهلُ عليهم الوصول للحقيقة التالية وهكذا دواليك.
(أذهلهم الخسوف) هنا تكمن الدهشة والمفارقة العجيبة والرعبة والتي لا مناص منها.
إذاً هناك أمر جلل أذهلهم، لا تدركه إلا عقولهم ولا تبصره إلا عيونهم، فعند اكتمال نصاب الحقيقة الغامضة وتبدأ بالانكشاف رويداً رويداً تتجلّى صورتها تماماً، ومع ذلك ستبقى هذه الحقائق ضمن دائرة الاحتمالات والتأويلات، فهل هي حقائق علمية مخفية عن الجهات المعنية؟ وهذا مؤشر على وجود زمرة من بؤرة الشر تعمل في الخفاء هم الذين يتحكمون بالمناخ الاقتصادي والتقييم المعرفي بكل ما تحمله تلك التوجهات من تأثيرات سلبية على الحياة البشرية بهدف النفعية وتحقيق مبدأ الرأسمالية وسيطرة هذا المبدأ على الأنظمة العالمية.
أم أنّها حقائق وثوابت سياسية مخفية أيضا يتحكم في آلية سيرها رجالات السياسة في الدول العظمى من خلال النزعات القومية والعرقية والدينية الممزوجة في المفاهيم السائدة لأنظمة تلك الدول(كالامبريالية والاشتراكية والصهيونية…الخ) لترغم شعوب العالم على الانقياد لمناهجها السادية بغض النظر عن التضحيات والخسائر التي ستقدمها الشعوب إرضاءً لنزعاتهم الفكرية.
واستخدام القاص لمصطلح (الخسوف) هو أدقّ تعبير عما يجري على أرض الواقع من تأثير القرارات المتّخذة من وراء الكواليس.
فالخسوف مصدر خَسَفَ والجمع أخسفة، ونقول خسوف القمر أي ذهاب نوره (في علم الفلك) عندما تكون الأرض بين القمر والشمس .
وفي سياق القصّة تعبير مجازيّ عن حالة الوصف والذهول (غياب نور الحقيقة وطمسها بالباطل).
*وعلى هامش القراءة:
أيعقل أن يكون تطبيق مصطلح فايروس (كورونا) وسيطرته على الواقع والإعلام العالمي هو أحد المقررات المتخذة من قبل ساسات الدول العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لنبقى في حيرة التساؤل، ماذا وراء كورونا !!؟
في الختام، كل الشكر والتقدير للأستاذ المبدع القاص أسامة الحواتمة على هذه الأقصوصة الرائعة في حيثياتها من بناء سليم للجمل المترابطة، واختزال مكثف وتضمين مدهش..وأجمل ما في القصة تلك القفلة المدهشة برمزية الخسوف وكذلك العنوان الغامض الغني بالتأويلات.
كواليس هي قصة الإنسان وموقعه في المنظومة العالمية والمصير المجهول…
كل الأمنيات للأستاذ أسامة الحواتمة بالتوفيق في أعماله القادمة.